ويكتفى كاتبنا، عند المقارنة بين رواية العهد القديم والقرآن الكريم لموقف هارون من عبادة بنى إسرائيل للعجل، بالإشارة إلى الخلاف الحاد بينهما دون أن يبدى رأيه في الرواية اليهودية التى تَنْسُب إلى هارون عليه السلام أنه هو الذى صنع العجل لقومه كى يعبدوه وأنه شاركهم أيضا في هذه العبادة21. ونفس الشىء يفعله عند تعليقه على قول القرآن عن موسى، حينما عاد فوجد قومه يعبدون العجل، إنه"ألقى الألواح" (أى ألواح الشريعة التى تلقاها من ربه على الجبل) ، وهو القول الذى يخالف ما جاء في العهد القديم من أن موسى إنما"كسر اللوحين"ولم يرمهما فقط22، وكذلك في معجزة يد موسى إذ وُصِفَتْ يده في العهد القديم بأنها بيضاء من البَرَص، أما في القرآن فهى"بيضاء من غير سوء"كما جاء في الآية 22 من"طه"23. وبالمثل نراه يشير إلى الخلاف بين رواية القرآن الكريم لموقف يعقوب عليه السلام من رؤيا يوسف التى رأى فيها نفسه وقد سجدت له الشمس والقمر وأربعة عشر كوكبا، وبين رواية العهد القديم للموقف ذاته، إذ بينما يذكر القرآن أن يعقوب قد فهم دلالة الحلم على أن يوسف سيصبح ذا سلطان وأن أبويه وإخوته سينحنون له، نرى كِتَاب اليهود، على العكس من ذلك، يُنْطِق الوالدَ بعبارات التوبيخ للابن بما يُفْهَم منه أن الرؤيا لم تكن في نظره إلا انعكاسات لرغبة يوسف الكامنة في نفسه في التسلط عليه وعلى أمه وإخوته. وقد اكتفى أسد بذكر هذا الخلاف دون أن يعقب بشىء24.
بقيت مسألتان مهمتان تتصلان بهذا الموضوع، وإن لم تدخلا في صميمه: الأولى قول محمد أسد إن"السامرى"المذكور في قصة موسى من سورة"طه"قد يكون اسمه مأخوذا من الاسم المصرى القديم:"Shemer"بمعنى"الغريب"، ثم أُخِذ منه اسم طائفة السامرية الذين ظهروا فيما بعد بين بنى إسرائيل. وقد يؤكد مصريةَ السامرى، كما يقول، أنه هو الذى اتخذ العجل لبنى إسرائيل تأثرا بعبادة العجل أبيس في بلاده التى خرج منها مع اليهود25. وهذا النقطة تحتاج إلى فضل بيان لأن أسد قد اكتفى بلمسها لمسا دون أن يطلعنا على الأسباب التى حملته على إثارتها في ترجمته. وحقيقة الأمر أن المستشرقين والمبشرين، كعادتهم في المسارعة الفِجَّة إلى اتهام النص القرآنى بأنه من تأليف محمد عليه السلام، قد صوبوا إصبع الإٍتهام إلى قصة السامرىّ كما وردت في القرآن قائلين إن مدينة السامرة لم تظهر في التاريخ إلا بعد السامرى بقرون، فكيف يُنْسَب السامرىّ إليها قبل أن توجد؟ وقد قدمت طائفة من المفسرين والمترجمين المسلمين عددا من الردود المفحمة على هذا الاعتراض الأهوج، ومن بينهم أبو الأعلى المودودى ومحمد حميد الله مما يمكن القارئ أن يجده مبسوطا مفصلا في كتابى"سورة طه - دراسة لغوية أسلوبية مقارنة"فى الفصل الخاص بالمقارنة بين قصة موسى في القرآن والعهد القديم. والرأى الذى تبناه أسد هنا هو أحد الآراء التى طرحها أولئك المفسرون المسلمون، وبالذات حميد الله.
ومثل ذلك تماما قول أسد إن هامان المذكور في عدة مواضع من القرآن الكريم بوصفه أقرب مستشارى فرعون إليه ليس هو هامان الذى يتحدث عنه سفر"أستير"فى العهد القديم. وهو يرى أن اسم كبير مستشارى فرعون ليس"اسم علم"بل"اسم جنس"بمعنى"كاهن آمون: Ha-Amen"، إذ كانت عبادة آمون سائدة إبّانئذ في مصر. ويقوِّى هذا الرأىَ عنده أن فرعون قد طلب منه أن يبنى له صرحا يصعد فيه إلى السماوات ليطَّلع إلى إله موسى، مما يمكن أن يكون إيماء إلى وظيفة كبير الكهنة بوصفه كبير مهندسى المبانى في ذلك الحين26. والملاحظ أن أسد قد اجتزأ هنا أيضا بهذا الذى ذكرناه دون أن يتطرق بشىء إلى خلفية الموضوع. والواقع أنه ليس بين القرآن والعهد القديم تناقض بالضرورة في هذه المسألة، فوجود"هامان"فى بلاد فارس على أيام الملك أحشويرش لا يمنع من وجود"هامانٍٍ"آخر قبل ذلك في بلاد الأهرام. من هنا فإن ما قاله أسد في هذا الموضوع لا يدخل في باب المقارنة بين الكتابين لأنهما لا يتكلمان عن ذات الشخص، بيد أن فريقا من المستشرقين أَبَوْا كعادتهم إلا أن يثيروها جَذَعَة فيتهموا القرآن الكريم بأنه يخلط بين الفترات والشخصيات التاريخية المختلفة بما يدل على أنه مجرد معلومات استقاها محمد من هنا ومن ههنا ممن لا علم لهم بما يتحدثون عنه، وليس وحيا إلهيا. فإشارة أسد هى رد غير مباشر على أولئك المستشرقين27.