فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
إن رسول الله صلى الله عليه وآله حينما أمره الله بأن ينذر عشيرته الأقربين؛ صعد على (الصفا) وهو جبل بظاهر مكة، فنادى: يا آل فلان يا آل فلان؛ وتلك عادة العرب حينما تريد أن تبلغ شيئًا إبلاغًا عامًا، قال فاجتمع إليه هؤلاء النفر الذين ناداهم وكانوا - قومه وفي رواية أنهم قريش لأن قومه هم قريش عامة - فقريش قبيلة واحدة قال؛ فلما تكاملوا وتتامّ عددهم خاطبهم عليه الصلاة والسلام فقال لهم:
"يا معشر قريش أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلًا تريد أن تغير عليكم من وراء هذا الوادي أكنتم مصدقيّ؟"
قالوا: نعم فما جربنا عليك كذبًا.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. ودعاهم إلى الإسلام فنهد أبو لهب وقال له: تبت يداك؛ ألهذا دعوتنا؟ أو: ألهذا جمعتنا؟ فأنزل الله تبارك وتعالى:
(تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب سيصلى نارًا ذات لهب وامرأته حمالة الحطب في جيدها حبل من مسد) .
تلك هي الروايات الواردة ثمة روايات أخرى لا يعول عليها كثيرًا؛ والمهم أن هذا هو سبب نزول السورة بشيء يكاد يكون إجماعًا بين المفسرين وعلماء القرآن ومؤرخي السيرة النبوية؛ هذا الموقف من أبي لهب موقف خطير ولولا أنه موقف خطير ما سجله الله تعالى في القرآن آياتٍ تتلى ويُتَعَبًّدُ بها الناس ويقرؤونها في كل حين.
ولكي نتفهم خطورة الموقف فإن علينا أن نرجع القهقرى، أن نرجع إلى وراء، إلى تلك الأيام البعيدة التي لم يعاصرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنها عاشت في ذاكرة قريش وعاشت في ذاكرة رجالات ونساء بني عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم، في تلك الأيام البعيدة؛ يشعر عبد المطلب أنه قليل الحول ضعيف بسبب أنَّ له ولدًا قليلًا والمعيشة في بيئات كتلك البيئات تعتمد مبدأ العصبية ومبدأ القبلية، فإنما يتعزز الناس بالذكور من الأولاد. - ويأخذ الألم من عبد المطلب ما يأخذ. وينذر لله نذرًا كبيرًا: لئن رزقه الله عشرة من الولد يمنعونه ويقومون دونه لينحرنّ لله أحدهم عند الكعبة.
وتمضي الأيام والشهور والسنون ويشاء ربك أن يرزق عبد المطلب أولادًا يتكاملون عشرة، ويأتي أوان الوفاء بالنذر، وبعد فصول وشؤون وشجو؛ يستقر النذر على عبد الله أصغر أولاد عبد المطلب وأحبهم إليه بإطلاق، والفتى الذي يُعَدُّ زَيْنَ فتيانِ قريش، ويقوم الناس فيمنعون عبد المطلب من الوفاء بنذره كي لا تكون هذه سنة في العرب، كلما حزب أحدًا منهم أمر قام فنذر أن يذبح أحد ولده فما بقاء الناس بعد ذلك، ويشب عبد الله فتى تخلص من الذبح - بأعجوبة بخارقة بمعجزة - تحفُّ به قلوب قريش شيبًا وشبانًا ورجالًا ونساءً، ويزُوَّجُ عبد الله ثم يمضي إلى ما تصورت قريش أن تقوم به من غدو ورواح بالتجارة؛ فيأتيه أجله المقدور في سفره ويموت عبد الله مخلفًا في القلوب حسرة ممضة وألمًا مستعرًا.
ويمضي الزمان ويولد لعبد الله ولد لم يقدر له الله أن تكتحل عيناه برؤيته والولد هو محمد صلى الله عليه وسلم؛ تجيء ثويبة جارية أبي لهب مهرولة إلى أبي لهب وتقول له: أشعرت أن آمنة ولدت لأخيك ولدًا ذكرًا؛ فيقول لها اذهبي فأنت حرة، يُبَشَّرُ أبو لهب بأن أخاه الذي اخترمته يد المنون، وهو غض الإهاب طريّ العود، قد رزق الولد ولا شك أن أبا لهب في تلك البيئة التي ترى الولد الذكر كل شيء، والتي تذهب في تقدير الذكورة مذهبًا أفقدها القدرة على تحسس وتلمس معنى الإنسانية؛ فإذا بها تشمئز وتغضب وتكفهر حينما يولد لها الإناث؛ وتفرح وتحتفل وتُسَرُّ غاية السرور حينما يولد لها الذكور بل يذهب السفه ببعض قبائل من قبائل العرب؛ إلى الحد الذي يئدون فيه البنات، وهن على قيد الحياة؛ حتى يأتي الإسلام فيزيل هذه العادة الوخيمة، وحتى يأتي الإسلام ويعيد إلى هذه الأنثى التي لا ذنب لها - كرامتها وقيمتها الإنسانية؛ يحدثنا القرآن الكريم أن قبائل من قبائل العرب كانت تكره أن تبشر بالأنثى يقول الله جل وعلا:
(وإذا بُشِّرَ أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودًا وهو كظيم يتوارى من القوم من سوء ما بُشِّرَ به أيمسكه على هون أم يدسُّه في التراب ألا ساء ما يحكمون) .
كذلك كانت قبائل من قبائل العرب، تفعل ولقد شاع على ألسنتهم إلى الحد الذي سرى وجرى مجرى الأمثال: وأدُ البنات من المكرمات فالأمة التي تعيش على هذه المعاني والقيم، والتي فرضت عليها بيئتها القاسية هذه المفاهيم، والتي فرضتها بعامل من الطبيعة بحكم انقطاع الأمة العربية عن العالم الخارجي انقطاعًا يشبه أن يكون تامًا؛ وبحكم حالة البداوة وشح الأمطار وندرة المياه وقلة الخيرات والزروع، كل ذلك فرض على الأمة العربية أن تكون أمة طابعها الرحلة والنقلة، لا تكاد تستقر في مكان إلا ما كان من البلدين مكة والمدينة فقط فهاتان المدينتان كانتا تعرفان الاستقرار، وأما بقية قبائل العرب فهي يومًا هنا ويومًا هناك وطورًا في هذا النَجْع وطورًا في ذاك تلتمس مساقط المطر ومسايل المياه ومنتجع الخيرات.