فهرس الكتاب

الصفحة 6757 من 27345

وتصوروا أن بيئة كتلك البيئة شحيحة الخير، قليلة المياه نادرة الأمطار، ينزل في بقعة منها شيء من المطر ينبت قليلًا من الكلأ... ألا تتدافع نحوها القبائل؟ بلى يتدافعون تدافعًا يؤدي إلى الاقتتال، وكم من وقائع جرت، وكم من مذابح كانت من أجل أن ناقة ضُرِبَتْ وَحُلِّئت عن الماء؛ ومن أجل أن رجلًا سابق أخاه على الماء فسالت الدماء أنهارًا. في تلك البيئة التي لا يعرف فيها حكم إلا السلاح، ولا يعرف فيها تهدئة وتسكين للاضطرابات إلا الدم؛ يكون الذكر ذا قيمة عالية لأنه هو الذي يدفع، ولأنه هو الذي يمنع، ولأنه هو الذي يقاتل، وكما قال شاعرهم:

كُتب القتل والقتال علينا وعلى الغانيات جَرُّ الذيول

في تلك البيئة تنطبع المشاعر على محبة الذكر؛ فحين تجيء البُشْرَى إلى أبي لهب عَمِّ النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان أبو لهب أخا عبد الله من غير أمه؛ فعبد الله أخو أبي طالب من أمه، وليس أخا أبي لهب من أمه، مع ذلك فأبو لهبٍ ابن عبد المطلب، ومن المهم في عرفه وفي نظره وفي طباعه الجاهلية، أنه يفرح ويُسَرُّ حينما يبشر بأنَّ أَخاه الذي مات قد استمر عَقِبُهُ ولم ينقطع ذِكْرُه، فرزقه الله تعالى مولودًا ذكرًا. وأيضًا فأبو لهب ككل رجالات الجاهلية، وكل أبناء تلك الصحراء، حينما يبشر بأن أخاه رزق مولودًا ذكرًا فورًا يخطر على باله حسبة رياضية. إن رجال القبلية زادوا واحدًا، وهذا يعني زيادة سيف، وزيادة رمح، وزيادة فارس، يعني بالتالي زِيادةً لقوة القبيلة التي يرى أبو لهب ويرى غير أبي لهب أنَّ حياته مرتبطة وجودًا ومصيرًا بهذه القبيلة، وأنه لا يمكن أن يتصور لنفسه أية حياة خارج نطاق هذه القبيلة، فسروره دفعه إلى أن يعتق الجارية، حين بشرته بولادة محمد صلى الله عليه وسلم إذًا هو سُرَّ بأن الله تعالى قد رزق أخاه مولودًا، وكان يرى في قسميات الوليد والطفل الذي بدأ يدرج، قسيمات أخيه الذي مات مخلفًا وراءه الحسرة الكبيرة، الأخ الذي اهتصرته يد المنون وهو شاب لم ير من الحياة شيئًا.

وتمضي الأيام، تمضي ويشب محمد صلى الله عليه وسلم، ويتزوج ويرزق الأولاد والعلائق بين بيت أبي لهب وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم على أحسن ما يكون، وعلى أوثق ما يكون، ويخطب أبو لهب كريمتي محمد صلى الله عليه وسلم لولديه عتبة وعتيبة، يخطب رقية وأم كلثوم لكي تكونا كنتين لكي تكونا زوجتين لولديه عتبة وعتيبة فهذا يدل على أن العلائق جيدة للغاية بين الرسول عليه الصلاة والسلام وبين عمه أبي لهب؛ وهذا يدفعنا إلى أن نعرج لنفند تعليلًا يتعلل به كثير من الذين يكتبون في السيرة، ويتعرضون لتاريخ الإسلام فالذين يدرسون هذه المرحلة وهذه الواقعة؛ يقولون إن سر عداوة أبي لهب لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت بسبب زوجته أم جميل- التي هي من بني أمية وبين بني أمية وبين بني المطلب عداء كان في الجاهلية؛ ولعمري إن تعليلًا من هذا النوع ليسقط من تلقاء نفسه حينما نتساءل: وأين كانت أم جميل حينما أراد زَوْجُها أنْ يخطب ابنتي محمد صلى الله عليه وسلم؟ وأين كان العداء الأموي من نفس أُمّ حينما أقدم ولداها على التزوج ببنتي محمد صلى الله عليه وسلم؟ وهل لا تنفجر هذه العداوات والخصومات التي يفترض هؤلاء الدارسون أنها حية لم تمت إلا بعد أن ينبأ رسول الله، وإلا بعد أن تأتيه الرسالة، وإلا بعد أن يبادئ قومه بالدعوة إلى الله تبارك وتعالى. إن تعليلًا من هذا النوع لا يكاد يقف على قدميه على الإطلاق فيجب أن نلتمس التعليل من جهات أخرى، وما نحن الآن بصدد التماس التعليل، وإنما نحن بصدد تتبع مواقف أبي لهب بعد الحادثة التي رويناها لكم أول مرة والتي رويناها بمناسبة بيان سبب نزول الآيات وقول أبي لهب لرسول الله تبت يداك ألهذا دعوتنا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت