فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
ذهب أبو لهب غاضبًا إلى بيته، فاستدعى إليه ولديه وقال لهما: رأسي من رأسكما حرام، إذا أنتما لم تطلقا بنتي محمد. فقامًا فطلقا بنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم.. تلك هي بداية الخصومة، وتلك هي الشرارة التي أشعلت كل هذا الضرام الذي سوف يأتي في البحث.. تمر الأيام وقبل أن يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم وبعد المرحلة التي نتحدث عنها بزمان يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ينادي في الناس: أن لا إله إلا الله وأنه رسول الله وأن ما هم عليه من عبادة الأوثان فباطل لا يجوز لهم أن يتورطوا فيه، ويطوف بين القبائل بذلك.. كان يتحرى مجيء القبائل العربية أثناء المواسم؛ مواسم الحج والزيارة التي كانت تدوم أربعة أشهر من كل عام، فيذهب إلى هذه القبائل يدور عليهم في منازلهم تصوروا المنظر.. النبي عليه الصلاة والسلام لا طيارة تحمله ولا سيارة يركبها ولا جند ولا أحراس ولا مواكب ولا هتافات ولا ما أشبه ذلك، وإنما إنسان يمشي على قدميه يحمل مصير الدنيا كلها على كتفيه، ويطوف في القبائل وحيدًا فريدًا، ومن حوله تتنزى عداوات وتتفجر خصومات والقلوب تنام على دخن ويود كل امرئ لولا التوازن القبلي أن يفتك بهذا المصمم على أَنْ يخرب عليهم حياتهم كما يتصورونها يطوف بين القبائل فيقول لهم: يا بني فلان إن الله قد بعثني إليكم رسولًا. فماذا أيضًا؟ ماذا تضيفون إلى الصورة؟ تصوروا. يقول رواة السيرة: إن النبي عليه الصلاة والسلام حين كان يفعل هذا كنت ترى من ورائه رجلًا وضيء الوجه، أحول العين، إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كلامه إلى الناس؛ يقول لهم: لا تصدقوه فإنه كذاب. من هذا؟ عمُّه أبو لهب.. العم الذي هو أولى الناس بأن يشد من أزر ابن أخيه يتبعه كظله، لا يترك قبيلة يطرقها رسول الله إلا كان معه؛ فإذا فرغ من كلامه خذِّلَ عنه ونفَّرَ الناس منه ورماه بالكذب افتراء وهو الذي سألهم من أول لقاء: لو أخبرتكم أن خيلًا وراء هذا الوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم ما جرّبنا عليك كذبًا.
فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يختلف خصومه ولا الموالون له في أنه الصادق الذي لم يكذب ولا يكذب أبدًا والله جل وعلا قال له:
(فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون) .
ولولا هذا الجحود الذي يتجاوز نطاق المعقول، ويظلم نفس الإنسان ظلمًا مبينًا ما كان أبو لهب يجرؤ على أن يقول لا تصدقوه فإنه كذاب؛ وهو يعلم أن لو زالت الدنيا كلها ما كذب محمد صلى الله عليه وسلم.
ونترك أبا لهب في هذا الموطن ونمضي مع الأيام نمضي لنتتبع مراحل هذه العداوة وآثار هذه العداوة كانت في الأول فصلًا لعلاقة حميمة بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بيت أبي لهب؛ متمثلة في الإصهار إليه ففصلها أبو لهب، ثم تمثلت في دعاوة نشطه ومجرمة تتحرى الأماكن التي يغشاها رسول الله، فتقول للناس لا تصدقوه فإنه كذاب، وصوروا لأنفسكم أو تصوروا: لو أنك جئت فسمعت إنسانًا لا تعرفه ولا يعرفك يدعو إلى شيء فجاءك أبوه أو أخوه أو عمه من الناس القريبين منه فقال لك: إنه كذاب؛ ماذا يقع في ذهنك؟ إن أقارب الإنسان أعرف الناس به فمن هنا تدركون خطر السلاح الذي رفعه أبو لهب في وجه ابن أخيه محمد صلى الله عليه وسلم. إن قبائل من قبائل العرب حينما كانت تسمع هذا من أبي لهب ومن غير أبي لهب كانوا يصارحون رسول الله فيقولون له: قومك أعرف بك ولولا أنك كما يقولون ما افتروا عليك. فهو سلاح خطر وسلاح رهيب وسلاح فعال ومع ذلك تعالوا نمضي..
يهاجر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أذن الله له بذلك، ويستقر في المدينة من حوله الأنصار والمهاجرون وتستقر الأوضاع هناك ويتعرض بعض المسلمين لعير من أعيرة قريش فيأخذون ما فيها - وهي المعروفة في التاريخ الإسلامي بعير ابن الحضرمي- ثم تمضي الأيام ويقدم أبو سفيان من الشام يقود عيرًا كبيرة لقريش، ويخرج النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من أصحابه يزيدون قليلًا على ثلاثمائة؛ يتعرضون لعير قريش ويذهب صارخ قريش فإذا أوفى مكة؛ نادى بأعلى صوته يا معشر قريش اللطيمة. اللطيمة. اللطيمة. هي العير التي تحمل البضاعة.. أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد مع أصحابه؛ ما أرى أن تدركوها فالغوث الغوث.