فهرس الكتاب

الصفحة 5539 من 27345

إلى هؤلاء المترفين أقول: قال الله: وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [32] } [سورة الأنعام] . فالترف مفسد؛ إذ يتعلق قلب صاحبه بالدنيا، وللأسف فإنَّ أكثر الأمة اليوم يعيش ترفًا دخيلًا علينا .

فالفقراء يحاولون أن يفتعلوا الترف، ولو في بعض الأشياء، فتجده لا يجد إلا قوته الضروري، ولكنه يقتطع منه من أجل أن يقتني المحمول، ويشتري أفخر الأثاث، ويشتري أحدث الأجهزة، ليشتري الدش فيدخل الفساد على أهله، ويقره في بيته دياثة، وهذا يقتطع من قوت أطفاله لكي يصيّف هنا أو هناك، والقائمة طويلة.

إنه التنافس على الدنيا، وكأنه لو لم يحصل هذه الأمور سيعيش في الضنك، وسيبلغ به الحرج المدى، ولا والله فما الزيادة في الدنيا إلا زيادة في الخسران .

فالغني البطر ماله نقمة عليه في الآخرة، فيصرخ يوم القيامة: مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ [28] هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ [29] خُذُوهُ فَغُلُّوهُ [30] ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ [31] ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ [32] إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ [33] وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ [34] فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ [35] وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ [36] لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ [37] } [سورة الحاقة] .

والفقير يحلق دينه بالحقد والحسد، ناهيك عمَّن يتكبر وهو معوز، فيدخل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله وسلم: [ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ شَيْخٌ زَانٍ وَمَلِكٌ كَذَّابٌ وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ] رواه مسلم.

فهذا عائل أي فقير وهو مع هذا مستكبر، فأن يطغى الغني بالمال هذا أمر معروف، لكن فقير يتكبر، فلماذا؟! وكذلك فقير مترف هذا شيء يبغضه الله تعالى .

الترف وإفساد الأبناء

ولا شك أنَّ الترف أفسد أبناءنا، فوجدنا فينا من يتفاخر ويقول: أنا لا أجعل ابني في احتياج إلى شيء أبدًا، فأنا ألبي له جميع طلباته ورغباته . وليس من التربية أن تلبي جميع متطلبات أولادك، فينشأ الواحد منهم عبد شهواته، كلما تاقت نفسه إلى شيء طلبه، فإنَّه إن لم يجده؛ سيسرق، ويزنى، ويخون من أجل أن يحقق ما يشتهي .

إن لابنك حقًا أعظم من الدنيا، وهو أن تعلمه كيف ينجو من النار، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ [6] } [سورة التحريم] .

إن الجيل المنشود نحتاج فيه إلى صفات ' الرجولة ' والرجل الحق لا يعرف الترف، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ: [إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ] رواه أحمد .

وهذا محمول على المبالغة في التنعم، والمداومة على قصده؛ وذلك لأنَّ التنعم بالمباح يُخشى من تجاوزه إلى مكروه، ولأنه يورث المرء ارتياحًا إلى الدنيا، وركونًا إليها، ويبعد عن الخوف الذي هو جناح المؤمن .

وقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [الْبَذَاذَةُ مِنْ الْإِيمَانِ] رواه أبوداود وابن ماجة وأحمد . و [الْبَذَاذَةُ] رثاثة الهيئة، وترك الترفه وإدامة التزين والتنعم في البدن والملبس؛ إيثارًا للخمول بين الناس .وقد جعلها النبي صلى الله عليه وسلم من أخلاق أهل الإيمان إن قصد به تواضعًا وزهدًا وكفًا للنفس عن الفخر والتكبر، لا إن قصد إظهار الفقر وصيانة المال. وكان عمر بن الخطاب يقول: ' اخشوشنوا' . وإنَّما كان يأمرهم بالتخشن في عيشهم لئلا يتنعموا، فيركنوا إلى خفض العيش، ويميلوا إلى الدعة، فيجبنوا ويحتموا عن أعدائهم .

ولعل هذا هو حال الأمة وهي تواجه أعداءها المتربصين بها، فكثير يؤثر الذل باسم ' السلام ' لأنَّه ألف حياة الترف والرفاهية، وعاد من اليسير على أمثال هؤلاء التفريط في كل شيء من أجل ضمان أن يعيش كما هو .

والشدة هي التي تصنع الرجال، وترويض النفوس يحتاج إلى زجرها وترغيبها على حد سواء، أمَّا أن تعطيها كل شيء، أو تلبي لولدك جميع طلباته، فقد وكلته لنفسه. وإنَّه من المهم أن تتربى أجيالنا على تحمل المشاق، وبذل الوسع في طلب الآخرة، وقد قالت العرب قديما:'وعند الصباح يحمد القوم السُّري'.

ومما تقدم نخلص إلى أنَّ ترك الترفه مأمور به شرعًا، وذلك لأنه أنفى للكبر، وأبعد من العجب والخيلاء وهي أمور ذمها الشرع.

قضية الغنى والفقر من منظور سلفي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت