فهرس الكتاب

الصفحة 5540 من 27345

في هذا الصدد يحسن بنا أن نفقه عن الله تعالى قضية ' الفقر والغنى ' ونتساءل عن المطلوب من أهل الإيمان في عصرنا، فهل معنى ما ذكرنا أنَّ الغنى شر كله، وأن الفقر أصلح، وعليه فالمقصود أن يكون المؤمن فقيرًا !

بطبيعة الحال ليس الأمر كذلك، بل قد يكون الغني الشاكر أفضل عند الله من الفقير الصابر ؛ وقد أعطى الله نبييه داود وسليمان الملك والغنى، وكان عبد الرحمن بن عوف من أغنى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو من المبشرين العشرة بالجنة، ناهيك عن ابن المبارك، وغيره من سلفنا الصالح .

وقد كتب ابن القيم جزءًا كبيرًا في كتابه:'عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين' ناقش فيه هذه المسألة باستفاضة، وفصل الخطاب ما حكاه عن شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة، بأنَّه ليس لأحدهما على الأخرى فضيلة إلا بالتقوى، فأيهما أعظم إيمانًا وتقوى كان أفضل، فإن استويا في ذلك؛ استويا في الفضيلة؛ لأن نصوص الكتاب والسنة إنما تفضل بالإيمان والتقوى، وقد قال تعالى:...إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا... [135] } [سورة النساء] . وقد كان في الأنبياء والسابقين الأولين من الأغنياء من هو أفضل من أكثر الفقراء، وكان فيهم من الفقراء من هو أفضل من أكثر الأغنياء، والكاملون يقومون بالمقامين، فيقومون بالشكر والصبر على التمام كحال نبينا، وحال أبى بكر وعمر رضى الله عنهما.

ولكن قد يكون الفقر لبعض الناس أنفع، والغنى لآخرين أنفع، كما تكون الصحة لبعضهم أنفع والمرض لبعضهم أنفع .

وقد صح أن الفقراء يتقدمون في دخول الجنة لخفة الحساب عليهم، والأغنياء يؤخرون لأجل الحساب عليهم، ثم إذا حوسب أحدهم فإن كانت حسناته أعظم من حسنات الفقير؛ كانت درجته في الجنة فوقه- وإن تأخر في الدخول .

نخلص من هذا أنَّ العبرة ليست بالفقر ولا بالغنى، فهذا أو ذاك لا يغني عنك من الله شيئًا إلا إذا كان سببًا في زيادة الإيمان والتقوى، فهذا هو المقياس والمعيار المعتبر عند رب العالمين، فالمهم هو ' الرضا ' عن الله، وعدم التسخط عند المنع، وعدم البطر عند العطية .

وإذا وجدت الله يرزق هذا، ويمنع عن ذلك؛ فتذكر قول الله:...أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ [53] } [سورة الأنعام] . وتذكر قوله تعالى:...وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ [35] } [سورة الأنبياء] . واعلم أن خزائن الله لا تنفد، وهو المعطي المانع، فليتعلق قلبك به، ودع عنك زخرف الحياة الدنيا، فإنما هي أوهام، والدنيا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئًا ووجد الله عنده فوفاه حسابه .

فإذا كان الأمر كذلك: فعليك بالرضا، فإنه ملاك الأمر، وعليك أن تحسن النظر إلى الأمور فتقيسها بمقياس أهل الإيمان، ولا تعر اهتمامًا لما دون ذلك:

فالفقير يفرح بأنَّه أخف الناس حسابًا، وأنَّ الله اختار ذلك الحال لنبيه صلى الله عليه وسلم، ويأخذ من حياة النبي صلى الله عليه وسلم العبرة والأسوة، فلا يقنط ولا ييأس، ويعلم أنَّ الأمر صبر ساعة، ولا ينظر بعين الحسد إلى من يعلوه في أمور الدنيا؛ لأنه فهم عن الله أنَّ العلو ليس بكثرة المال ورفاهية العيش.. لا بل العلو بالتقوى، وكثرة الطاعات، والقرب من الله، فهؤلاء هم أهل غبطته .

أمَّا الغني فيخشى أنْ تكون زيادة النعم استدراجًا، فَعَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ] ثُمَّ تَلَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ [44] } [سورة الأنعام] . رواه أحمد .

ويخاف شدة العذاب إنْ لم يوفِّ شكر النعم التي بمحض فضل الله تعالى رزقها:...لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ [7] } [سورة إبراهيم] . فهو مشغول بشكر نعمة الله عليه، فيعطي حق المال من زكاة، وصدقة، ونفقة في سبيل الله، فلا يعرف الترف بابه، وإن ملك الملايين؛ لأنَّه يعلم أنَّ الله سائله عن ماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه ؟!!

ولعل كثيرًا منكم يقول: إنَّ هذا لا يدري عن واقع الناس اليوم شيئًا، وإنَّه يحدثنا بما يصلح لعصور السلف، فكيف بالله في ظل كل هذه المغريات، والفتن المتلاحقات أن يسير الأمر هكذا .

وإني ناصحك نصيحة حريص مشفق عليك، فإنَّي لأعلم مدى الخطر الذي يداهم المسلمين الآن، ومدى الفتن التي يواجهونها، وحجم المغريات التي توضع في طريقهم، فتتخطف السواد الأعظم منهم ولكن ..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت