هذا على وجه العموم، فالعلماء هم أهل هذه الخصال، ولا يلزم أن تتوفر هذه الخصال في كل عالم، فالكمال لا يكون إلا لله سبحانه لكنهم لا شك أنهم هم أهل هذه الخصال في جملتهم.
والعلماء: لا يمكن أن تخلوا الأرض منهم، وهذا دفعًا لدعوة قد يدعمها بعض الجهلة ممن ينتسبون للدعوات والحركات المعارضة وغيرهم وهي زعم بعضهم: أنه لا يوجد علماء قدوة، أو أن العلماء الذين يمكن الاقتداء بهم مفقودون، أو أنهم يتهمون بمطاعن تسقط اعتبارهم، أو نحو هذا من الدعاوى التي لا تجوز شرعًا ـ بل هي مخالفة للواقع، ومخالفة لصريح النصوص؛ فإن الله تكفل بحفظ هذا الدين، وتكفل بحفظ طائفة من الأمة تبقى ظاهرة منصورة، أمرها بيّن ـ وهذا لا يمكن أن يتأتى إلا بأهل الحجة والقدوة، وهم العلماء، والصفات التي ذكرتها، تتوفر في كل مكان، وكل وقت بحسبه ـ قوة وضعفًا ـ لكن لا يمكن أن يخلو كل الزمان، وكل المكان في الأرض من العلماء إلى قيام الساعة.
مفهوم الدعاة: أما بالنسبة للدعاة: وقد عرفنا أن العلماء هم الدعاة، لكن تنزلًا للمصطلحات والألفاظ، فإنا نقول: الدعاة هم الداعون إلى الله، على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، على بصيرة - وهي الفقه في الدين -. وأول من تتوفر فيه هذه الصفات هم العلماء؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم، أُمِرَ أن يقول بأن سبيله: الدعوة إلى الله على بصيرة، ولا تأتي البصيرة إلا بالعلم والفقه في الدين، قال تعالى: قُلْ هَاذِهِ سَبِيلِى أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِى [108] 'سورة يوسف' ولاشك أن أتباع الأنبياء بالأولى هم العلماء.
مفهوم الدعوة:هي السعي لنشر دين الله،عقيدة وشريعة وأخلاقًا، وبذل الوسع في ذلك. ويتحقق هدف الدعوة إلى الله بـ: العلم والعمل والقدوة، وبالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإصلاح، وهذه الأركان أكثر ما تتوفر في العلماء.
إشكالات مفترضة ، وجوابها: وهنا لابد من الاستدراك، فقد يرد سؤال عند بعض الناس:
أولًا: هل يعني هذا أنه لا يدعو إلى الله إلا عالم ؟ بالطبع لا، بل على كل مسلم عرف شيئًا من الدين، وتبصر به: أن يدعو إليه بعد التبصر، وفقه المسألة التي يدعو إليها، وإنما أقصد أن الذي تتوجه إليه النصوص الشرعية، والذي عليه عمل السلف: أن قيادة الدعوة، وريادتها، وتوجهها، لابد أن تكون من العلماء، وفي العلماء ـ وأقصد: أن العلماء لابد أن يتصدروا الدعوات في كل أمر ذي بال، ولابد أن نجعلهم هم القادة، وهم المرجع، وهم الموجهون في الدعوة إلى الله، ولا يكونوا مجرد مستشارين عند الحاجة كما يفعل كثير من أصحاب الدعوات.
فالعلماء لابد أن يكونوا هم المتصدرون للدعوة، وإن لم يكن الأمر كذلك، فإن في الأمر خللًا لابد من استدراكه، وخطأ لابد من تصحيحه، بل إن لم يكن الأمر كذلك؛ فإن الدعوة ستنحرف- لا قدّر الله .
ثانيًا: ربما يقال: أن العلماء لم يرفعوا راية الدعوة ؟ فأقول: هذا الإشكال لا يصح؛ لأنه ناتج عن قصور في النظرة للعلماء، ذلك أن الأصل في أهل العلم: أنهم يسعى إليهم لأخذ العلم عنهم، ولا يسعوا إلى الناس..وأن يكون لهم سمت أساسه التواضع، وأن يكون لهم حق على الأمة، كما أن الأصل في العلماء: أن لا يرفعوا فوق رءوسهم رايات،ولا يرفعوا شعارات، ولا يطلبوا الانتماءات إليهم ونحو ذلك مما هو من لوازم بعض الدعوات المعاصرة . فالعلماء يُقصدون، ويجب أن يلتف حولهم عامة الناس، وطلبة العلم - خاصة- .
ورفع الرايات والشعارات للدعوات من قبل من لهم شأن في الأمة ليس هو من هدي السلف، فمن رفعه الله بالعلم والتقوى وجب على الأمة أن ترفع قدره. وأقصد: أن إخضاع العلم للدعاية، أو للشعارات، أو الانتماءات لم يكن من خصال السلف، بل هو من خصال أهل الأهواء والفرق.
أما أهل السنة: فهديهم السنة والجماعة وهي ليست شعارًا يرفع، إنما هي سبيل المؤمنين، وصراط الله المستقيم، وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم.
المسألة الثانية: بيان أن الأصل في الكتاب والسنة وما اتفق عليه جمهور سلف الأمة أن العلماء هم الدعاة:
وأن الدعاة ـ أصلًا ـ هم العلماء، وأن غيرهم تبع لهم. فكما أسلفت: كل طالب علم، وكل مسلم عليه أن يدعو إلى الله بقدر وسعه، وعلى بصيرة في الأمر الذي يدعو إليه ـ وكل ذلك مشروط بالتبعية لأهل العلم، لأنهم هم قادة الأمة، وهم أهل الحل والعقد فيها، وهم جماعتها .
المسألة الثالثة: في التفصيل في هذه الظاهرة التي أشرت إليها:
وهي: الفصل بين علماء الشرع، أهل الفقه في الدين، وبين الدعاة. أو بين العلم والدعوة ـ أي طلب العلم الشرعي والدعوة، وهذا الفصل تركز في أذهان كثير من المسلمين، لأسباب كثيرة، سأذكر شيئًا منها فيما بعد.