فهرس الكتاب

الصفحة 9041 من 27345

وهذا المفهوم الخاطئ لم يتركز في الأذهان فقط، بل حتى في الواقع أي فيما تعيشه الدعوات، وما يعيشه الدعاة في كثير من بلاد العالم الإسلامي، وكما أسلفت كان التفريق بين العلماء والدعاة من سمات أهل البدع، حيث إنهم اتخذوا رءوسًا جهالًا. والداعية عند أهل الأهواء والبدع: هو من يخضع لأهوائهم، ويلتزم بها، ويقول بمقولاتهم وينشرها وينتصر لها، ولو لم يفقه من الدين شيئًا.

ونجد هذا جليًا في الفرق الأولى، كالخوارج، فإن دعاتهم ليس هم العلماء الأكابر، لا فيهم ولا من غيرهم، بل بضاعتهم في الفقه والعلم قليلة، وعلى غير طريق سليمة. وكذلك الرافضة: دعاتهم جهالهم، بل أجهل الناس وأقلهم أحلامًا، وهكذا المعتزلة، والقدرية، وأهل الكلام، وسائر الفرق على هذه السمة ـ غالبًا على تفاوت بينهم. فأهل الافتراق هم الذين يفصلون بين الدعوة وبين الفقه في الدين؛ لأنهم ـ أصلًا ـ يقل فيهم الفقه في الدين. وأكثر زعاماتهم ودعاتهم إنما يمتازون بالولاء للافتراق، وبالولاء للمقولات التي هم عليها ـ ولا يفقهون من الدين إلا القليل، ومنهم من لا يفقه شيئًا.. وأغلب دعاة هذه الفرق والذين نشروها في الأقاليم الإسلامية قديمًا من العوام ومن الجهلة الذين لهم أهداف وأغراض شخصية أو شعوبية، أو عصبيات، أو من يسيطر عليهم الجهل المهلك.

المسألة الرابعة:

أن هذه الخصلة سمة ظاهرة، وبدأت تظهر في كثير من الدعوات المعاصرة، وكثير من الحركات الإسلامية ـ وإن كانت في خارج هذه البلاد أكثر- لكن لا يسعنا إلا أن نتكلم عنها لأسباب:

أولها: أننا لا بد أن نحمل هموم جميع المسلمين في كل بقاع الأرض، وهذا واجب شرعًا على كل داعية. فعل كل عالم أن يحمل هم المسلمين في جميع بقاع الأرض. والمسلمون الأصل فيهم أنهم أمة واحدة، ومقتضى النصح والإشفاق عليهم: بيان ما فيهم من خير وتشجيعهم عليه، وبيان ما فيهم من أخطاء، والتنبيه عليها، ونصحهم بالعدول عنها. ومن هذا المنطلق سأتوقف كثيرًا عند ذكر بعض ظواهر الخطأ في هذا الموضوع، في بعض الحركات الإسلامية خارج هذه البلاد.

وثانيها: أن بعض هذه الظواهر ـ أي الفصل بين العلماء والدعاة ـ بدأت تظهر عند طوائف الشباب ـ عندنا ـ ، وبعض المفكرين، وبعض المثقفين، لسبب أو لآخر. فمن هنا كان لابد من الكلام عن أوضاع الدعوات المعاصرة، بمجملها، في جميع العالم الإسلامي، وليس في بلد واحد.

أعود إلى هذه الخصلة ـ أو هذه السمة التي وقع فيها كثير من الدعاة والدعوات المعاصرة، وهي: أن الدعاة عندهم غير العلماء، والداعية غير الشيخ، وهذا المفهوم بدأ يتركز في أذهان بعض الشباب وقد تأصلت هذه المفاهيم حتى في أعمال الدعاة، وفي حركاتهم، وفي مواقفهم، وفي مناهجهم، فصاروا يفصلون بين العالم والشيخ وبين الداعية. وأدى ذلك الفصل إلى عواقب وخيمة.

فالداعية عندهم: هو من ينشط في الدعوة، لتحقيق مراد أصحابها، أو لتحقيق أهدافها، أو يواليها ويرفع شعارها، ويجمع الناس حوله على هذا الشعار.. هذا هو الداعية عند كثير من الدعوات المعاصرة ـ بصرف النظر عن علمه وفقهه، بل الغالب أنه من قليلي الفقه وقليلي العلم الشرعي . والمشايخ بمفهوم هؤلاء ـ القاصر ـ ليسوا دعاة، ولا يصلحون لأن يسهموا في الدعوة أو يدخلوا في إطارها ـ أو نطاقها، لأن فيهم وفيهم. وبسبب هذا الفصل ظهرت أمور، ستشير إلى شيء منها .

المسألة الخامسة: من نتائج الفصل بين العالم وبين الداعية:

بسبب فصل بعض الدعاة بين الشيخ 'العالم' والداعية، ظهرت أمور سلبية نراها جلية في كثير من الدعوات الإسلامية، ومن هذه الأمور:

أولًا: اتخاذهم رؤساء جهالًا: أغلبهم لا يفقهون من الدين إلا ما يحلو لهم. وغاية ما يملك بعضهم من العلم، إنما هو مجرد أفكار وثقافات أشتات، زَادُ كثيرٍ منهم: مجرد العواطف والحركة، حتى كاد أن يكون مصطلح الداعية عندهم من ليس بعالم، وأن العالم ليس بداعية، وأحيانًا يقولون: فلان داعية أي: ليس بعالم، وفلان شيخ من المشايخ أي: ليس بداعية! وهذا وقوع فيما حذر منه الرسول صلى الله عليه وسلم ، من اتخاذ رءوس جهال، يفتون بغير علم، فيَضِلُوا ويُضِلُوا.

ثانيًا: قلة وجود العلماء والمشايخ، المتفقهين في الدين، المتضلعين في العلوم الشرعية بينهم، وفي أكثر الدعوات المعاصرة: مع أن وجود أهل العلم المتفقهين في الدين؛ شرط من شروط الدعوة إلى الله، خاصة في الدعوات الكبرى، التي ينضوي تحت لوائها جماعات وفئام من الناس. فهذه لا ينبغي أن يفقد فيها العالم، أو أن يكون العالم فيها مغمورًا، أو لا يتصدر الدعوة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت