ثالثًا: قصور النظرة في فهم قدر العلماء والمشايخ، وبمنزلتهم عند كثير من أتباع هذه الدعوات: فمن هنا وجد من بعضهم اتهام للعلماء بالقصور، أو التقصير، أو قلة الوعي، أو أي نوع من أنواع التنقيص؛ لتبرير عدم صلة الدعاة بالعلماء. بل إن بعض الدعاة يرفع نفسه ودعوته على حساب الكلام في أعراض العلماء، وهذا الأمر ـ وإن كان مؤلمًا ـ لكن لابد من ذكره، ولابد من السعي لعلاجه.
رابعًا: تورط بعض شباب الأمة بالانتماء للشعارات والقيادات الدعوية، وليس للمشايخ والعلماء: بل أصبح الانتماء للشعار والجماعة أكثر منه للسنة والجماعة وأهل العلم.
خامسًا: فصل الشباب عن أئمتهم وعن مشايخهم وعن علمائهم: ومن ثَمَّ حجبهم عن: النظرة الشرعية الشمولية للدعوة إلى الله، وغاياتها ومناهجها، وحجبهم عن الاهتداء بهدي أئمة السنة قديمًا وحديثًا، بل إن بعض الجماعات تربي شبابها على جوانب من مناهج السلف تخدم أهدافها، أو تخدم الجماعة وشعاراتها، وتغفل الجوانب الأخرى والسنة والعلم وسير أهل العلم، وهذه من أساليب أهل الأهواء وأهل البدع، يأخذون من الأئمة ما يحلو لهم من قول أو فعل، ويتركون الباقي. وهذا خلل في النظرة، وخلل في النهج.
سادسًا: نتج عن الفصل بين الدعاة والعلماء: كثرة الشعارات والأهواء والانتماءات والافتراقات والعصبيات لجماعات أو لأشخاص، مع العلم أن الأمة لا يجمعها على السنة والخير إلا علماؤها. ومهما بالغت الجماعات والدعاة في أي مكان وزمان للسعي إلى جمع المسلمين دون الاسترشاد بأهل العلم، ودون أن يجعلوا العلماء قادة وموجهين ومرشدين وأئمة للدعوات؛ فإن الشمل لن يجتمع.
نعم لن يجتمع شمل الأمة إلا بالالتفاف حول علمائها. وهذا الخلل سبب رئيسي في كون الجماعات تتنافر ولا تتفاهم، وتفترق وتفرّق أكثر مما تجتمع وتجمع، وواقعها شاهد بذلك.
سابعًا: نتج عن العزل بين العلماء وبعض الدعوات المعاصرة: وأقول البعض حتى لا نظلم الذين هم على الاستقامة؛ أن نشأت لبعض الدعوات مناهج وأفكار وكتب ومؤلفات معزولة عن السنن، وعن العلوم الشرعية بشموليتها، بل وحتى بتفصيلاتها. وصارت كل طائفة تأخذ من العلوم الشرعية ما يناسب أوضاعها، وهذا أسلوب من الأساليب الخاطئة التي تخالف منهج السلف، حتى نشأ للدعوة في العالم الإسلامي علم يشبه علم الكلام لدى الجماعات في ارتباطه بالأهواء والأشخاص، لا بارتباطه بالسنة والأئمة.
وقد برزت في الآونة الأخيرة، نتيجة لهذا الفصل بين الدعاة والعلماء: دعوات كبرى، قوامها وركائزها رؤساء ليسوا بعلماء، وتعتمد على أفكار وحركات محدثة، تخالف هدي الإسلام، وعلى عواطف لا تضبطها القواعد الشرعية، ولا المصالح المعتبرة.
ثامنًا: كما نتج عن هذا: التقصير في طلب العلم الشرعي على أصوله ومناهجه السليمة الصحيحة، بل ونتج عن ذلك عند أصحاب الدعوات التي تفصل بين العلماء والدعاة: الحيلولة بين أتباعها وبين تحصيل العلم من المشايخ. بل كثيرًا ما ترد إشكالات من بعض الشباب في شتى بلاد العالم الإسلامي، من صرف بعض الدعاة لأتباعهم عن العلماء بذرائع شتى، حتى أن بعضهم قد يعاقب الشاب الذي ينتمي إليه لماذا جلس يطلب العلم الشرعي على الشيخ فلان !!
ونتيجة لذلك حصل الخلل في المفهوم، فقد فهم بعض الدعاة بسبب العزلة بينهم وبين المشايخ: أن المشايخ خصوم، أو أعداء للدعوة، أو أن لديهم ما يضر بالمنتسب للدعوة، أو ما يشوش أفكاره عليها. وسبب ذلك: أن في دعواتهم أمراضًا ومصائب لا يرضاها العلماء، وقد ينتقدونها. ومن هنا تعللوا بصرف شبابهم عن العلماء وأهل العلم والفقه في الدين. وهذا مسلك خطير يجب ألا يستمر عليه من ينشد الحق والإصلاح، ولذلك وجب مناصحة أولئك الدعاة، وبيان الحق لهم.
تاسعًا: ظهرت فئام من الجماعات والدعاة والشباب في البلاد الإسلامية وغيرها: على قلة في الفقه، وضعف في العلم، أو تتلمذوا على الأقل علمًا واتخذوا شيوخهم الأصاغر، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك حيث قال:'إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَاعَةِ أَنْ يُلْتَمَسَ العِلْمُ عِنْدَ الأَصَاغِرِ' رواه الطبراني في الكبير والأوسط وابن المبارك في الزهد واللالكائي في شرح أصول الاعتقاد . وهذا ـ والله أعلم ـ يشمل الأصاغر في العلم والقدر والسن ـ وكل ذلك حاصل في هؤلاء .