غير أن الوحي الإلهي قد يتضمن أحيانا ما يحتار فيه العقل ، لان في الوحي الإلهي حديث عن الغيب ، والإنسان يتحير فيما غاب عن عقله ، ولكنه ليس بالضرورة يحكم باستحالة وقوعه ، فثمة فرق بين الإيمان بالشيء مع تحير العقل فيه ، والحكم بالاستحالة ، ومن الأمثلة على هذه الحقيقة أعني الفرق بين الحيرة والحكم بالاستحالة ، أنك لو حدثت شخصا قبل مائتي عام مثلا ، أن الإنسان سيمكنه فيما يأتي من الزمان ، أن يتحدث مع شخص آخر ويراه وبينهما آلاف الأميال ، بحيث أن أحدهما في جوف الليل ، والآخر في وضح النهار ، لاحتار عقله في الإيمان بهذا ، وربما أداه ذلك إلى التكذيب ، بينما لو عرضه مرة أخرى على عقله وبحث عن دليل صحيح يحكم بامتناع وقوع ذلك ، لحكم بأنه غير مستحيل الوقوع البتة ، وها نحن نراه واقعا اليوم .
فكذلك نحن قد نؤمن ببعض صفات الله تعالى إيمانا لا يتطرق إليه ريب ، غير أن عقولنا تبقى متحيرة في كيفيتها ، كإيماننا بعلم الله تعالى العظيم المحيط بكل الكليات والجزيئات التفصيلية الدقيقة في الحياة التي هي غير متناهية ، كما قال تعالى ( ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) ، ومعلوم أن تساقط الأوراق متجدد باستمرار وكذلك ، حبوب الزروع المختفية في باطن الأرض ، وما تحمله من أرزاق ، وكل ما يقع في البر والبحر ، كل ذلك يتحير العقل البشري في إمكان أن يدركه مدرك في كل لحظة ، ولا يفوته منه شيء البتة ، قد أحاط علمه بكل ذلك على التفصيل حتى جريان الإلكترونات حول نوات الذرات ، في كل الأرض والسموات ، هذا كله يتحير فيه عقل المؤمن ، وتصيبه هذه الحيرة بالدهشة والشعور الغامر بعظمة الخالق ، ولكن مع ذلك هو مؤمن مصدق مطمئن قلبه بان ذلك حق ، وقس على هذا المثال إيمان المؤمن بكل صفات الله تعالى العلية .
وإذا تبينت هذه الحقائق الخمس فالجواب على سؤال السائل أن نقول:
إن حديث النزول الإلهي في الثلث الأخير من الليل ، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق كثيرة مستفيضة ، واتفق العلماء على صحته ، والإيمان به واجب ، ومعارضة ما دل عليه من معنى حق ، بعقولنا القاصرة ، يخالف ما أمرنا به من الإيمان ، والتسليم التام بكل جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .
وأما قول القائل أن الحديث يقتضي حدوث النزول الإلهي في كل لحظة ، لان ما من لحظة إلا ويكون في بعض الأرض ثلث أخير من الليل ، فالجواب أن هذا الفهم إنما سبق إلى عقل المعترض ، بسبب ظنه أن النزول الإلهي كنزول البشر ، يجري عليه ما يجري على حركات البشر من الخضوع لظرف الزمان ، والانتقال من مكان إلى المكان ، فسبق إلى ذهنه تمثيل الله تعالى بخلقه ، فأدى ذلك إلى استشكال معنى الحديث ، ولو أنه علم أن كل صفات الله تعالى ، لا يماثله فيها ـ سبحانه ــ شيء من خلقه ، ولا يجري عليها ما يجري على صفات المخلوقين من الأحكام واللوازم ، لو استحضر هذا العلم في قلبه عند قراء ة أو سماع الحديث ـ كما فعل الصحابة رضي الله عنهم ولهذا لم يثيروا هذا التساؤل ــ لما استشكل معنى الحديث ، ولفهمه على أن النزول الإلهي ، ليس كنزولنا نحن ، ولا يلزم عليه ما يلزم من حركاتنا وأفعالنا البشرية ، بل هو أمر آخر خفيت علينا كيفيته ، كما خفيت علينا كيفية سائر صفاته من السمع والبصر و العلم والحياة والإرادة والمحبة والغضب والرحمة والاستواء على عرشه ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده إلى سائر الصفات الذاتية والفعلية التي اتصف بها سبحانه ، فنحن نؤمن بها ونجهل كيفيتها وكذلك النزول الإلهي في الثلث الأخير من كل ليلة .
هذا وقد أجمع العلماء من سلف الأمة ومن بعدهم ، على أن القاعدة العامة التي تضبط هذا الباب الجليل ، هي التي أطلقها الإمام مالك رحمه الله ، إمام دار الهجرة ، عندما سأله سائل عن استواء الله على عرشه ، فقال قولته المشهورة: (الاستواء معلوم ، والإيمان به واجب ، والكيف مجهول ، والسؤال عنه بدعة ) وكذلك يقال في كل صفات الله تعالى الواردة في الكتاب والسنة .
وقال العلماء من أهل السنة والجماعة أن أسماء الله تعالى وصفاته تفهم على ضوء ثلاثة أصول:
الأول: الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من أسماء الله وصفاته ، إثباتا ونفيا ، فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الأسماء والصفات ، وننفي ما نفاه الله ورسوله من الأسماء والصفات ، من غير اعتراض على شيء من ذلك بعقولنا ، فذلك مقتضى الإيمان والتسليم ، قال تعالى ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) وقال تعالى: ( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسماءه ) .
الثاني: نفي التمثيل والتشبيه بين أسماء الله وصفاته ، وأسماء المخلوقين وصفاتهم قال تعالى ( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) .