فهرس الكتاب

الصفحة 6954 من 27345

ثم إن هذه المهرجانات التي هدفها الأوحد تجميع العامة لكسب تأييدهم، لا يقدم ولا يؤخر في تحديد مصير الأمة،ولكن قلة فقهنا في كتاب ربنا سبحانه، وسنة نبينا صلى الله عليه وسلم ، هو ما يحملنا على التعلق بأسباب هي أشبه ببيت العنكبوت، فلو كانت النصوص الشرعية واضحة لنا، لكنا على يقين من أن تغيير الأمور لا يناط بكثرة ولا بقلة، إنما بتلك التضحيات التي يحملها أصحاب النفوس الحية لتترجم واقع إيمانهم بما يحملون من عقائد وأفكار.

فالانتصار على النفس والهوى، مقدم على الانتصار على العقبات المادية التي هي في حقيقتها ابتلاء من الله سبحانه، ستزول عاجلًا أو آجلًا بإذن الله تعالى إذا تحققت الأمة على الإيمان الحق، بعيدًا عن التعصب للنفس والهوى .

فالخلافة مرحلة من مراحل بناء الأمة، وليست هدفًا بحد ذاته، بل هي وسيلة من وسائل إقامة الدين، كالجهاد في سبيل الله ليس هدفًا بذاته، بل وسيلة من وسائل قيام الدعوة، ليكون الدين كله لله، فإن كان الجهاد وسيلة من وسائل القضاء على الكفر والزندقة والردة، فإن الدولة وسيلة من وسائل حفظ الدين وصيانته، وإلزام للناس بالخضوع إلى حكم الله سبحانه المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر، أما أن تصبح الدولة هدفًا لا يراد إلا لنفسه، فهذا جهل مركب بمقاصد الشريعة ومضمونها، بل إن المتأمل بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، يجد أنه عمل على بناء المجتمع المسلم قبل بناء الدولة، لأن الدولة هي رجال آمنوا بعقيدة سعوا جاهدين لإقامتها في حياتهم، فهي إذن تحتاج إلى إيمان وتضحيات وثبات، وبهذا تحقق للجيل الأول ما لم يتحقق للجيل القائم .

وهذا ما نصت عليه النصوص الشرعية،إذ أناط المولى سبحانه تغيير النفوس إلى أصحابها، ونسب تغيير الواقع إلى نفسه، فهو سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، فعلى أولئك القادة الذين يجهدون في تعريف العامة بمكائد أعدائهم، متناسين الأخطار التي تصيب الأمة بذنوبها، علمًا بأن ما يصيب الأمة ليس بما كسبت أيدي أعدائها، إنما بما كسبت أيديها هي، فإن الله سبحانه قد عصم هذه الأمة من كيد أعدائها بشرط التزامها بالصبر والتقوى، مبينًا أنه لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلًا، وهذا ما كان واضحًا من سيرته صلى الله عليه وسلم، فلم يكن يحذر الأمة من كيد أعدائها، بل كان يحذر الأمة من الوقوع فيما وقع فيه أعداؤها فيصيبها ما أصابهم وهذا لعلمه صلى الله عليه وسلم أن الله سبحانه يمكر بالكافرين ويمهلهم رويدًا، وأن العاقبة للمتقين مهما بلغ الكافرون قوة وتعجرفًا .

فليت القادة والمهيجين يدركون ذلك، ويعملون على تخليص المجتمع المسلم من الأسباب التي أوقعته في هذا الظلام الدامس، بدلًا من التركيز على أمور لا تسمن ولا تغني من جوع، اللهم إلا توسيعًا في الخرق، والخروج على وحدة الصف، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

بقلم الشيخ ابراهيم بن عبد العزيز

المشرف العام على شبكة أهل السنة الإسلامية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت