1 لما رأى المؤمنون جيش الروم خشوا من خوض هذه المغامرة"مائتا ألف من الروم مقابل ثلاثة آلاف من المؤمنين"، وهنا انطلق القائد الشاعر بن رواحة قائلًا:"والله إن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، إنما نقاتلهم بهذا الدين الذي أكرمنا الله به فانطلقوا، فإنما هي إحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة".
هكذا تكون القيادة المؤمنة مقدمة إذا تأخر الناس، ثابتة إذا تزعزع الناس، قوية إذا ضعف الناس، منتصرة إذا انهزم الناس... فالناس يموتون أما هم فيستشهدون.
2 خلجات النفس: فهذا بن رواحة رضي الله عنه راح يبرز خلجات نفسه بعد استشهاد القائد الثاني (جعفر بن أبي طالب) ويقول في شعره:
أقسمت يا نفس لتنزلنه
لتنزلنه أو لتكرهنه
قد طال ما قد كنت مطمئنة
مالي أراك تكرهين الجنة!
ثم تابع قائلًا:
يا نفس إلا تقتلي تموتي
هذا حمام الموت قد لقيت
إن تفعلي فعلهما هديت
أو تعرضي عنهم فقد شقيت
وانخرط في القتال حتى قضى شهيدًا في سبيل الله.
3 بعد استشهاد القادة الثلاثة، كاد أن يُباد الجيش، لولا أن قيض الله سبحانه وتعالى جنديًا شجاعًا ومقاتلًا مغوارًا، لم يأب القيادة نكوصًا عن الموت، بل شعورًا بوجود الأكفأ منه في الجماعة المسلمة وحمل الراية، هذا الجندي هو الصحابي ثابت بن أقرم، حيث صاح: يا للأنصار. فأتاه الناس من كل وجه وهم قليل وهو يقول: إلي أيها الناس، فلما نظر إلى خالد بن الوليد قال: خذ اللواء يا أبا سليمان! فقال: لا آخذه، أنت أحق به، أنت رجل لك سن، وقد شهدت بدرًا قال ثابت: خذه أيها الرجل. فوالله ما أخذته إلا لك فأخذه خالد..". (5) "
"ونظرة إلى قيادة الجيش نجدها بين مولى وسفير وشاعر، ليؤكد لنا أن طاقات الإسلام كلها في خدمة المعركة. وأن وقودها في حالة الخطر هو كل شباب الإسلام بكل طاقتهم وإمكاناتهم ومواهبهم، وتخصصاتهم. وليس هناك حد فاصل بين السياسي والجندي والقائد، فكل مسلم جندي في المعركة مهما علت مرتبته واختلفت وظيفته، فلا بد من تضافر جهود كل من العالم، العسكري، الإعلامي، المفكر، المصلح، المربي، المزارع، الطبيب، المهندس، الطفل، المرأة ثم توضع هذه الجهود في خندق واحد لتقضي على الباطل وأهله ويعود للأمة مجدها وعزها، ويكون لكل من هؤلاء شرف الجهاد والدفاع عن دين الله: واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا (آل عمران: 103) ."
الوقفة الرابعة: خالد بن الوليد (سيف الله المسلول)
إن السيرة تذكر أن الله سبحانه وتعالى وفق خالد بن الوليد وهزم الروم هزيمة منكرة، بعد أن استعمل حيلة حربية بارعة في فت عضد الروم بتغيير مواقع جيشه. حتى استحق رضي الله عنه أعلى وسام في الجيش الإسلامي لم ينله أحد بعده ولا أحد قبله، أعلنه رسول الله ص على المنبر. فقال:"وأخذ الراية سيف من سيوف الله سله الله تعالى على المشركين، جعل النصر على يديه".
إنها لقفزة هائلة في الميدان العسكري من جندي مغمور إلى قائد فذ قلده رسول الله ص هذا الوسام ومضى معه حتى لقي به العرب والفرس والروم، فقال له قائد جيش الروم في اليرموك: هل أنزل الله سيفًا من السماء فأعطاكه؛ فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟
على الجماعة المسلمة أن تتفحص في نفسها، وتبحث عن أفذاذ الرجال الذين يعدل واحد منهم الألف بل المائة ألف، والذين غُمِروا أو حالت الظروف دون بروزهم وظهورهم.
وصدق رسول الله ص:"إن الله يغرس لهذا الدين بكلتا يديه وكلتا يديه يمين سبحانه وتعالى".
الوقفة الخامسة: دور الإعلام الإسلامي ومعايشة الأحداث التي تمر بها الأمة
كان المسجد آلة الإعلام في العصر النبوي. لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول الله ص على المنبر، فكُشف له ما بينه وبين الشام فهو ينظر إلى معركتهم فقال: أخذ الراية زيد ابن حارثة فجاء الشيطان فحبب إليه الحياة وكره إليه الموت وحبب إليه الدنيا فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إلي الدنيا! فمضى قدمًا حتى استشهد، فصلى عليه رسول الله ص وقال: استغفروا له فقد دخل الجنة وهو شهيد، ولما قتل زيد أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فكره إليه الموت ومناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين يمنيني الدنيا! ثم مضى قدمًا حتى استشهد فصلى عليه رسول الله ص وقال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة وهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث يشاء، ثم أخذ الراية عبدالله بن رواحة فاستشهد ثم دخل الجنة معترضًا فشق ذلك على الأنصار فقيل: يا رسول الله: ما اعترضه؟ لما أصابته الجراح نكل فعاتب نفسه فتشجع واستشهد ودخل الجنة، فسُري عن قومه.
وقال الواقدي: حدثني عبد الله بن الحارث بن الفضيل عن أبيه قال:
لما أخذ الراية خالد بن الوليد قال رسول الله ص:: الآن حمي الوطيس.