ـ ومما ذُكر عن بعض متأخري المالكية من العراقيين، فلعلهم خرَّجوه مذهبًا للأصل الذي عليه أبو بكر الأبهري ـ رحمه الله ـ في أن أوامر الله تعالى تقتضي الوجوب، وأوامر النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم تقتضي الندب ( [26] ) . فجعلوا ذلك مذهبًا فقهيًا مخرَّجًا على مذهبه الأصولي، والتخريج على المذهب ليس بمذهب على التحقيق.
وما نُسب إلى ابن علية والأصم، فقد ذكر النووي ضعف الرواية عنهما ( [27] ) .
الوجه الثالث:
إن كثيرًا من العلماء نقلوا الإجماع على فرضية وجوب زكاة الفطر، ومنهم ابن المنذر، وإسحاق بن راهوية، والبيهقي.
ـ قال ابن المنذر:"وأجمعوا على أن صدقة الفطر واجبة" ( [28] ) .
ـ وقال البيهقي:"وقد أجمع العلماء على وجوب صدقة الفطر" ( [29] ) .
ـ وقال إسحاق بن راهوية:"هو الإجماع" ( [30] ) وفي رواية عنه: هو كالإجماع من أهل العلم ( [31] ) .
ـ وقال ابن هبيرة:"واتفقوا على وجوب زكاة الفطر على الأحرار المسلمين" ( [32] ) ، ونقل هؤلاء الإجماع في المسألة يضعف الخلاف ويجعله شذوذًا، والشاذ الذي لا يسنده الدليل، مردود، إذ الدليل مع الجماهير هو:
الوجه الرابع:
ففي البخاري ومسلم عن ابن عمر ـ رضي الله تعالى عنهما ـ قال: فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة ( [33] ) .
ـ وعند البخاري عن نافع أن عبد الله قال: أمر النبي صلى الله عليه وسلم بزكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير ( [34] ) .
فهناك فرض، وهنا أمر، وكل منهما يفسِّر الآخر، فالأمر يقتضي الوجوب، والفرض بمعنى الوجوب، فثبت المطلوب.
الوجه الخامس:
أنها زكاة دخلت في مسمى الزكاة، فتدخل في عموم الزكاة التي أمر الله بها وتوعَّد مانعيها بالعذاب الشديد ( [35] ) .
ثانيًا: أن زكاة الفطر إنما فُرضت في أول التشريع، ثم نُسخت فرضيتها بعدما أوجب الله تعالى زكاة الأموال، ودليل ذلك حديث قيس بن سعد بن عبادة، قال: أمرنا رسول صلى الله عليه وسلم بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله ( [36] ) .
والجواب من وجوه:
الوجه الأول: أن الحديث في سنده مقال، لأن فيه أبا عمار عريب بن حميد وهو مجهول لا يُعلم حاله في الجرح والتعديل ( [37] ) .
الوجه الثاني: على فرض صحة الحديث؛ فليس فيه دليل نسخ، فلا تستقيم الدعوى بنسخ وجوب الفطر، لأنه مأمور به ولا يزال، فقد سبق الأمر به ووجوبه ولم يصرح بإسقاطه، فالوجوب باق، ونزول فرض لا يوجب سقوط فرض آخر ( [38] ) .
وبهذا يكون هذا الرأي مرجوحًا لا يعتمد عليه ولا يستند إليه لضعفه ومرجوحيته. فما هو الرأي الثاني ؟
الرأي الثاني:
أنه يجب أن تخضع زكاة الفطر لولاية الدولة الإسلامية والحكومة المسلمة، وأن تكون جبايتها وصرفها بتقدير الحاكم وولي الأمر، وأن ذلك مسئولية سلطانية عامة، واعتبار الأبدان والرؤوس والرقاب، من عناصر وعاء الزكاة ومكوِّناته.
والذي يظهر أن هذا الرأي ليس عليه عامة الفقهاء، ولم يشتهر عن جماهيرهم بقدر ما يبدو أن يكون رأيًا مستجدًا ونظرًا مجدًا، بل الصحيح نظرًا مجددًا.
وهو الذي نتبنَّاه وندعو إليه الناس ونطالب به جملة أمور تصلح أن تكون أدلة ترجِّح هذا الموقف، وتقوِّي الرأي. وأظهرها ما يلي:
الأمر الأول:
أنها زكاة سبق الأمر بها من الشارع قبل الأمر بزكاة الأموال، ورعاها صاحب السنة باعتباريه [النبوة والإمامة] ، وقد ثبت عدم سقوط الأمر بها كما لم يسقط وجوبها بإيجاب الزكاة على الأموال، فتبقى كزكاة الأموال تحت سلطان الحاكم وولايته.
الأمر الثاني:
أنها داخلة في نصوص الأمر بإيتاء الزكاة التي فُسِّرت من بعد على خصوص زكاة الأموال، وحُملت عليها خاصة، مع عدم ظهور الدليل الذي خُصصت به هذه النصوص بزكاة الأموال، فكل آية فيها الأمر بإيتاء الزكاة، يدخل فيها الأمر بزكاة الفطر.
وهذا الذي فهمه أئمتنا ـ رحمهم الله تعالى ـ فها هو الإمام مالك ـ رحمه الله ـ يُسأل من تفسير قوله تعالى (وآتوا الزكاة) ( [39] ) أهي الزكاة التي قُرنت بالصلاة ؟ فيقول:"هي زكاة الأموال كلها من الذهب، والورق، والثمار، والحبوب، والمواشي، وزكاة الفطر"وتلا قول الله تعالى (خذ من أموالهم صدقةً تُطَهِّرهم وتزكيهم) ( [40] ) . ( [41] )
وفي رواية عنه:"أن الزكاة المقرونة بالصلاة تدخل فيها زكاة الفطر" ( [42] )
وصحح هذا القول الباجي ـ رحمه الله ـ واستدل على ذلك بقوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ( [43] ) لأن اللفظ يصح بتأويله لها، وهو من ألفاظ العموم، فيجب أن يُحمل على هذه الزكاة وغيرها، إلا ما خصَّه الدليل ( [44] ) .