فهرس الكتاب

الصفحة 13324 من 27345

نرجع مرة أخرى إلى اللفظ ( لا يكن في صدرك حرج منه ) كلام موجه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، هل يُتصور أن امرأ في مكانة محمد عليه الصلاة والسلام من ربه ومن دينه وشرعه وفي موضع القدوة بالنسبة لخلقه أن ينفذ أوامر الله وهو كاره ؟ ما أتصور . في حديث شق الصدر يتناجى الملَكان كما يروي النبي عليه الصلاة والسلام يقول أحدهما للآخر: أهو نائم ؟ فيجيبه الآخر: العين نائمة والقلب يقظان . وفي حديث عائشة رضي الله عنها يقول عليه الصلاة والسلام: يا عائشة إنه تنام عيناي ولا ينام قلبي . في حديث الصحابة الذين جاءوا يسألون في أبيات رسول الله عن عبادته عليه الصلاة والسلام ، فلما أُخبروا بها كأنهم تقالّوها ، أي وجدوها قليلة فقالوا: وأين نحن من رسول الله وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر ؟ يخاطبهم عليه الصلاة والسلام بقوله: والله إني لأعرفكم بالله وأشدكم له خشية . وأحدنا يرى سحابة مقبلة فيستبشر وينتظر هطول الغيث ويقول مقالة الغافلين ( إنه عارض ممطرنا) ولكن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا هبت الريح واضطربت عوامل الطبيعة أكثر الدخول والخروج وأكثر القيام والقعود وتلوّن وجهه الشريف فإذا سئل قال: ما يدريني أن يكون هذا عذابًا فإن الله عذّب أقوامًا بالمطر وعذّب أقوامًا بالريح .

امرؤ هذه صلته بالله وهذا هو اندماجه بالملأ الأعلى وهذا هو مبلغ عرفانه بقدرة القادر المهيمن الغالب الذي لا يُغالب لا يُتصوَر بتاتًا أن ينفذ ما أراد الله منه وهو يجد ظلًا من الحرج في ذاته الشريفة . وإذًا فلا بد أن يكون لهذا اللفظ وجه آخر . لننظر كذلك ، الصيغة هنا لاحظوها ( لا يكن في صدرك حرج منه ) خطاب لمحمد عليه الصلاة والسلام ، وهو خطاب فيه عنف وفيه عنفوان ، لاحظوا أنماط المخاطبات مع النبي عليه الصلاة والسلام إزاء أخطاء ولنتجوز ولنسمها أخطاءً ، إن الله جل وعلا حينما أخذ عليه الصلاة والسلام الفداء من أسرى بدر في أول معركة حقيقية مع أعداء الله تعالى كان ذلك مغايرًا لمقتدى الحكمة الربانية ، والله جل وعلا لا يحابي ، فما لبث أن أنزل قرآنًا يُتلى إلى أن تقوم الساعة ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة ) لاحظوا ، لم يتجه العتاب واللوم بصورة مباشرة إلى شخص الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام ، وإنما جاء بهذه الصياغة اللطيفة ، عتب الحبيب على الحبيب ( ما كان لنبي أن يكون له أسرى ) لم يُفتتح الكلام بأمر ولا بنهي ، وإنما بخبر أن الأنبياء شأنهم ألا يكون لهم أسرى في أول معركة حتى يثخنوا في العدو وحتى يوقعوا الرهبة في قلب العدو ، وبإذاك حينما تستمكن رهبة الله ورهبة رسوله ورهبة المؤمنين من قلوب الأعداء فلا بأس بأخذ الأسرى وأخذ الفداء ، وهل انتهى الأمر عند هذا العتب المهذب اللطيف ؟ لا ، ( تريدون عرض الدنيا ) لم يوجه الكلام بتة إلى شخص النبي عليه الصلاة والسلام ، وكأنه ينصب مباشرة على هؤلاء الذين شدوا وثاق الأسرى وأسروهم من الجيش ، وصُرف اللفظ بتة عن شخص النبي صلى الله عليه وسلم .

في غزوة تبوك حينما استأذن بعض الخوّارين والجبناء من المنافقين أن يرجعوا إلى أهاليهم وهي غزوة عسيرة وتحتاج أن يتحرك كل قادر ليوقع الرعب في قلوب الأعداء ، لم يكن العتاب بهذه الصياغة التي تشعر أن ثمة رعودًا وبروقًا تجلجل من وراء الكلام ، وإنما افتتح الكلام بهذا اللفظ اللطيف ( عفا الله عنك لمَ أذنت لهم ) قدّم العفو أولًا ثم سأله هذا السؤال اللطيف ( لم أذنت لهم ) . في الخطابات التي جاءت مفتتحة بالنهي على غرار ما هو وارد في فواتح هذه السورة ، الخطاب الوارد بالنهي ( بلا ) حينما مات عبدالله بن أبي كبير المنافقين والذي جرّح رسول الله عليه السلام والذي كان يعمل على تحزيب الأحزاب والذي والذي ، حينما مات وتقدم النبي عليه الصلاة والسلام فصلى عليه جاءه الأمر الجازم من الله جل وعلا ( ولا تصلِ على أحد مات منهم أبدًا ولا تقم على قبره ) كلام مفتتح بلا الناهية ، يحمل الأمر الجازم ، ولكن أمعن النظر في الصياغة ، إن الله حينما يقول لنبيه ( ولا تصلِ على أحد منهم مات أبدًا ولا تقم على قبره ) تستشف فورًا أن المقصود بذلك أن ينزه هذا المقام الكريم ، مقام النبوة أن يصلي على كبير النافقين ، وإذًا فالنهي لا ينصب أساسًا على شخص النبي عليه الصلاة والسلام لمجرد النهي ، وإنما ليرفع مقام النبوة فوق أن يتقدم نبي كريم من أولي العزم ليصلي على منافق من المنافقين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت