فهرس الكتاب

الصفحة 20549 من 27345

إن التقدم بالحوار يقتضي استحضار الثوابت التي يكون منها الانطلاق والبدء، ونصب عينها تعزيز الهوية وتحقيق المشروع الوطني. وهذا يتطلب أن يأخذ الحوار مكانه اللائق به في مناهج تربية الأجيال وتعليمها احترامًا وممارسة عملية، في البيت والمدرسة والمجتمع، وقد أولى الفكر التربوي العربي هذه المناهج عنايته، ويبقى أن يبذل جهد لتعميمها نظريًّا وتقديم الأمثلة العملية لها. ولا بد هنا من التأكيد على أن هذه التربية تبدأ منذ مرحلة الطفولة الأولى، وإن من بين حقوق الطفل علينا أن يحاورنا ونحاوره ونجيبه على أسئلته المتتالية التي من خلالها يصل إلى المعرفة.

هذا التقدم يتطلب أيضًا أن يخدم الإعلام الحوار، ويساند عملية التربية والتعليم. وأثر الإعلام اليوم قوي في ظل ثورة الاتصال، وللتلفزة والسينما والحاسب جاذبيتهم، وهناك مجال واسع رحب لتقديم صورة صحيحة من خلالهم للحوار المثمر، وهذا يتطلب الحذر من الوقوع في أثر حوار الصم وما بدأ يشيع من"مصارعات حوارية"تحت اسم الرأي والرأي الآخر.

التقدم بهذا الحوار يتطلب فيما يتطلب أن يلتزم"السلطان"بالحوار، يحترمه ويوليه عناية ويمارسه ويحرص على مسلتزماته، ويتجمل بالصبر. ومستلزماته كما سبق أن أوضحنا حرية تعبير مسئولة واعتراف بحقائق التنوع وحق الاختلاف وصولًا إلى واجب الالتزام الفردي. وهذا الالتزام السلطاني الرسمي هو السبيل إلى ممارسة الشورى والديمقراطية وقطف ثمارها الطيبة، أصوب الآراء والتلاقي على تحقيق المشروع الوطني ومشروع الأمة الحضاري وبلوغ الأمن الاجتماعي.

لن نمل نحن أهل الفكر من الحديث عن قصور الحوار على هذا الصعيد، ومن التنبيه على مخاطر هذا القصور. وسنبقى ندعو إلى أن تكون"السياسة الأمنية"الرسمية في إطار السياسة العامة جزءًا منها وليس حاكمًا عليها مهيمنًا. وهذا يتحقق حين تغتني هذه السياسة الأمنية الرسمية بالفكر وآراء المفكرين. واللافت أن المؤسسات المعنية لا تزال في غالبيتها مغفلة تلبية حاجتها هذه.

إن من أهم جوانب الحوار الرسمي هو ذلك الذي يتصل بجيل الشباب في المجتمع، وعلى صعيده يجب أن يتجلى التجمل بالصبر في أروع صوره؛ ذلك لأن لجيل الشباب خصائصه التي من بينها نزوع إلى الغلو والتطرف. وهذا النزوع لا يتعامل معه بالقمع الذي يورث العنف. وإنما بتوظيفه لصالح المجتمع من خلال الحوار، ولن يفتأ الشيخ المفكر يذكر بحق جيل الشباب على جيله وجيل بلوغ الأشد، بينما هو يتابع بأسى ما ينساق إليه"السلطان"أحيانًا من"عنف"في التعامل مع بعض أبنائنا من الشباب. ويسلم الشيخ المفكر بأن الغلو في مجموعه ليس حسنًا، ولكن السماح به من خلال حرية الفكر يمكن أن يخفف منه ويأتي به إلى الوسطية والاعتدال، هذا فضلًا عن أن في الشباب"حدس"أشار إليه ابن الخطاب كما ذكر الماوردي في أدب الدنيا والدين، تشتد حاجة صاحب القرار للاغتناء به حين يبلور قراره.

ختامًا: فإن هذا الحديث عن الحوار بين تيارات الثقافة العربية المعاصرة يدعو إلى الخاطر ما جاء به الهدي الإلهي من تعليم الله الخالق مخلوقه، الإنسان البيان، وإخباره نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم"والله يسمع تحاوركما"حين جادلته الصحابية رضي الله عنها في زوجها واشتكت إلى الله، وأن الكثير من آيات الكتاب المبين جاءت في صورة حوار شمل نماذج شتى، فنحمد الله سبحانه ونصلي على رسله وخاتمهم محمد بن عبد الله، ونستلهم من ذلك عزيمة للمضي في سبيل الحوار الموصل إلى تحقيق مشروع أمتنا الحضاري الذي يلتقي عليه أبناء الأمة من مختلف تيارات ثقافتهم؛ ليسهموا في عمران عالمنا، بمنهج وسطي قويم. ...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت