فهرس الكتاب

الصفحة 5715 من 27345

إن أكبر خطأ يرتكبه المفكر حينما يفكر بعيدًا عن مفاهيم التغيير الاجتماعي، في هذه الحالة يصبح فكره حادًا ومصطدمًا مع الطبيعة التلقائية للمجتمع. المجتمع من طبيعته أنه يتحرك .. ينمو .. يضعف ..يقوى .. يتطور.. إنه كيان حيّ متحرك. . وهذا النوع من المفكرين يفترض أن المجتمع كائن جامد غير قابل للحركة، ويفترض أن مقولاته الجاهزة، وما يحمله من أنماط معينة من السلوك هي التي ينبغي للمجتمع أن يأخذ بها. لا! ليس الأمر كذلك، إن هناك تفاعلًا بين المجتمع والفكر. وقد أدرك علماؤنا السابقون ذلك فقالوا:"المشقة تجلب التيسير"في لفتة منهم إلى بعض أحوال التغير الاجتماعي. والسلوك الاجتماعي من عادته أنه يتراوح بين الضبط والارتخاء، أو إن شئت فقل: إنه في حالة صراع بين الضبط السلوكي وبين التحلل من القيود. والمفترض أن يكون الفكر ومنه فتوى الفقيه ضابطًا للسلوك الاجتماعي في انحداره، فلا يدعه يتفلت من ضوابطه. والتيسير ليس هو التيسير الآني فقط فهذا أحد معانيه، وأهم منه ما يؤول إليه الفعل في المجتمع، ومن الأفكار والفتاوى ما يظنها أصحابها تيسيرًا على الناس، ولكنهم بعد فترة يكتشفون مقدار الحرج الذي لحق بالناس بسببها. مثلًا البعض حينما يفتي لفرد من الأقلية المسلمة فتصبح فتوى للأقلية بكاملها بينما هي في الأصل خاصة، وربما جاءت الفتوى مراعية الوضع الآني الذي يعيشه فرد ما فكانت معززة الوضع الخاطئ الذي يعيشه الفرد ورافعة لحرج عنه في أمر هو في أصله مخالفة شرعية، كتلك الفتوى التي أفتت لهم بجواز بيع الخمر على غير المسلمين، وأنا هنا لن أناقش الفتوى من ناحية فقهية، ولكن أتحدث عنها من ناحية أثرها الاجتماعي وعلاقتها بالتغيير. هذه الفتوى تدفع السلوك الاجتماعي إلى التحلل من القيود، ولو تراكمت مجموعة فتاوى من هذا النوع لكان نتيجتها نزع الهوية الإسلامية عن أصحابها، وتذويب الفوارق بين الأقلية المسلمة والأكثرية غير المسلمة. إن الفتوى التي تحرم على المسلم بيع الخمر مثلًا تحافظ على قدر من سمات الهوية، وتدفع المسلم إلى التخلص من الإثم بتصحيح سلوكه وإنشاء مؤسسات مجتمعية متفقة مع الهوية الإسلامية سواء كانت المؤسسات تجارية أو اجتماعية أو سياسية أو ثقافية أو تعليمية. وفي هذا محافظة على هوية الأقلية المسلمة وترسيخ لوجودها، وتأكيد لاستمرارها في مجتمع الأكثرية.

لعل من مواطن الخلل في الفكر الإسلامي الحديث تقصيره في الدراسات الاجتماعية، ومنها موضوع التغيير الاجتماعي الذي تناوله مشكورًا الشيخ سلمان. وإني لأعجب أن من يتناول موضوع التغيير الاجتماعي إنما يتناول الجانب السلبي منه فقط، ولا يرى في التغيير إلا أنه اتجاه نحو فساد المجتمع، وتجده يحصي الجوانب السلبية ومظاهر الانحراف، ويغفل عن الجوانب الإيجابية، كما يغفل عن إرادة الناس في اختيار اتجاهات التغيير. وينتهي هذا المتحدث إلى رفض التغير، ورفضه غير ممكن، والمطالبة بوقف حركة المجتمع، وهذا مخالف لسنة الله في المجتمعات.

وقيمة ما قدّمه الشيخ سلمان في برنامجه أنه أراد أن يعلمنا أن التغير الاجتماعي موضوع يمكن التحكم فيه وتوجيهه، ولهذا تحدث عن التغيير وليس عن التغير، وحدد لنا ما يدفع نحو التغيير وما يوقفه، وبين لنا أن التغير أمر حتمي، وهو إيجابي لمن أحسن التعامل معه وسلبي لمن أعرض عن الاستفادة منه أو صادمه. شكرًا للشيخ سلمان وحفظه الله ووفقه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت