فهرس الكتاب

الصفحة 26823 من 27345

فلما بلغ كعباً الكتابُ ، ضاقت عليه الأرض ، وأتى مزينة لتجيره ، فأبت ذلك عليه ، فحينئذ ضاقت عليه الأرض وأشفق على نفسه ، وأرجف به من كان من عدوّه ، وقالوا إنه مقتول . فقال هذه القصيدة التي عرفت بالبردة ، وجاء بها النبي صلى الله عليه وسلم تائباً مسلماً . ذلك أنه خرج حتى قدم المدينة ، ودخل مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد وجلس بين يديه ، فوضع يده في يده ، ثمّ قال: يا رسول الله ! إن كعب بن زهير قد جاءك ليستأمن منك تائباً مسلماً . فهل أنت قابل منه إن أنا جئتك به ؟ قال: نعم ! قال: أنا يا رسول الله كعب بن زهير . فقال: الذي يقول ما قال . ثمّ أقبل على أبي بكر فاستنشده الشعر. فأنشده أبو بكر"سقاك به المأمون به كأساً روّية …"! فقال كعب: لم أقل هكذا . وإنما قلت:

سقاك أبو بكر بكأسٍ رويّةٍ

وأنهلك المأمون منها وعلّكا

فقال رسول الله: مأمون والله ! ووثب عليه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله ! دعني وعدوّ الله أضرب عنقه . فقال: دعه عنك فإنه قد جاء تائباً نازعاً . فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار لما صنع به صاحبهم . ثم قرأ قصيدته على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى وصل إلى قوله:

إنّ الرسول لنور يستضاء به

مُهَنَّدٌ من سيوف الله مسلول

رمى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بردة كانت عليه ، وبذل بعد ذلك معاوية رضي الله عنه عشرة آلاف درهم ليشتريها من كعب ، فقال كعب: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم أحداً . ولما مات كعب اشتراها معاوية بعشرين ألف درهم . (2)

2-أهمّ ما قيل عن مطلع القصيدة وما فيه من شبهة الغزل:

يقول الدكتور محمد بن سعد بن حسين في كتابه"المدائح النبوية بين المعتدلين والغلاة":"ولم يستحسن البعض بدء كعب قصيدته بالغزل ، وهو يمدح أشرف الخلق وخاتم المرسلين ، غير أن تلك عادة العرب فهم يبدأون قصيدهم بالنسيب في أيّ مقام كان ، فهو منهج لا غبار عليه". ثم يقول:"على أن بعضاً من شيوخنا فسّروا ذلك وبيّنوه على وجه من الرمز والإشارة . فمن ذلك ما ذكره أستاذنا الدكتور عبد السلام سرحان في كتابه"مختارات من روائع الأدب"، حيث قال: وسعاد هذه فتاة خيالية اخترعها خياله وفراها تصوّره ليبدأ على حبّها إنشاده ويوالي في ذكرها إنشاده ، ويرتبع في مرابعها بخير تقديم على عادة الشعراء في شعرهم القديم . ولكن الملاحظ أنه وصفها بعدم الولاء ورماها بعدم الوفاء وتحدّث عن أنها هجرته وقطعت حبل وصله ، وأبلت أسباب ودّه ، واختفت عنه في مكان بعيد لا يمكن الوصول إليه إلا على ظهور العتاق النجيبات المسرعات في السير المغذّات في الرحيل … ثم انتقل إلى وصف أمله في رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعفو عنه ويغفر له زلته ويؤمنه على سعاد التي كنّى بها ـ فيما أرى ـ عن راحته وهناءته التي افتقدها زمناً طويلاً فكانت تهرب منه، وتفرّ أمامه ، وتبعد عنه ، فيحاول أن يركب إليها سفائن الصحراء … حتى وجدها أخيراً في طريق الأمل والرجاء وعرف أنها تقيم لدى سيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه".

ويقول الدكتور محمد بن سعد بن حسين:"وهذا رأي جديد وهو عندي حريّ بالتقديم والتقدير ، إذ أنه ينزع بمطلع القصيدة عن التغزّل في موقف ومقام يجب أن ينزها عن مثل هذا" (3)

3-وقفة ورأي:

إنَّ الوقفة التي أريد أن أقفها مع مطلع هذه القصيدة والرأي الذي أُقدّمه حول محورها وموضوعها ينطلقان من تصوّر رسمته أحداث القصيدة وأبياتها ومناسبتها ، حين نردّ ذلك إلى منهاج الله ، وحين نفهم الواقع والأحداث من خلال منهاج الله .

إني أومن أن مطلع القصيدة ومحورها يحملان موضوعاً ينأى عن التشبيب والغزل ، في موقف ينافي التّغزّل وأسبابه ، مهما كان عادة الشعراء العرب من افتتاح قصائدهم . فهذا موقف جديد لم يعرفه شعراء العرب ، خارج عن عادتهم التي ألفوها . وهو موقف أجلّ من كلّ موقف عرفه شاعر قبل ذلك . وكان كعب ابن زهير يدرك ذلك حقَّ الإدراك ، ويُدرك أنّ عليه أن يتخيّر أطيب أسلوب يخاطب به النبوة الخاتمة ، وأطهر كلمة يقولها بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم . فلا يُعقل أن يبتدئ إيمانه بعظمة الإسلام بالتشبيب بفتاة حقيقية أو خيالية .

وكذلك فلم يكن النسيب عادة مفروضة في مطلع كلّ قصيدة عند العرب ، فكثير من الشعراء لم يبدأوا به ، واختاروا أسلوباً آخر أقرب للمناسبة والجوّ الذي تقال فيه . وذلك نحو معلقة لبيد بن ربيعة العامري:

عفت الديار محلُّها فمقامها

بمنىً تأبَّد غَولها فرجامها

فمدافع الريَّان عُري رسمها

خلَقاً كما ضَمِنَ الوُحيَّ سلامها

دمنٌ تجرَّم بعد عهد أنيسها

حِججٌ خَلَونَ حلالُها وحرامها

ولذلك لسنا ملزمين أن نفترض أن قصيدة كعب يجب أن تبدأ بالغزل والتشبيب لمجرّد اتباع قاعدة التزمها بعضهم ولم يلتزمها آخرون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت