وفي أوقات الكروب والشدائد، شرع لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الدعاء بدعوات معينة، ففي جامع الترمذي من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه) أن النبي صلى الله عليه وسلم:"كان إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السماء، وإذا أجهد في الدعاء قال: يا حي يا قيوم". وفيه أيضًا من حديث أنس بن مالك، قال:"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث".
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:"لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات السبع ورب الأرض ورب العرش الكريم".
وقال ابن مسعود (رضي الله عنه) :"ما كرب نبي من الأنبياء إلا استغاث بالتسبيح" (6) .
وفي الساحة العملية طبق رسول الله صلى الله عليه وسلم ما شرعه لأصحابه، معلمًا إياهم أن الأمر كله بيد الله وحده لتظل القلوب متعلقة بخالقها (عز وجل) .
ونلحظ هنا ملمحين من منهجه الكريم صلى الله عليه وسلم:
أما الملمح الأول: فمنه ما حدث يوم الطائف ؛ إذ رفع صلى الله عليه وسلم يديه يشكو إلى الله ما نزل به:"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس..." (7) .
إن الدعاء من أعظم العبادات، فمهما بلغ العقل البشري من الذكاء والدهاء، فهو عُرضة للزلل والإخفاق،"وقد تمر على المسلم مواقف يعجز فيها عن التفكير والتدبير تمامًا، فليس له مخرج منها سوى أن يجأر إلى الله بالدعاء، فما إن انتهى من الدعاء حتى جاءت الإجابة من رب العالمين، مع جبريل وملك الجبال" (8) .
ومن هذا ما حدث يوم بدر، إذ اتجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده..
"وهذا درس رباني مهم لكل قائد، أو حاكم، أو زعيم، أو فرد، في التجرد من النفس وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، في مثل هذه المواطن". (9) .
ومن هذا أيضًا ما حدث يوم الأحزاب..
وهكذا فإن الدعاء والاستغاثة كانا منهجين ثابتين للنبي صلى الله عليه وسلم في أموره كلها.
ولكن ينبغي أن تعلم أن الله تعالى لا يقبل الدعاء من متواكل كسول، وما يستمع لشيء استماعه لهتاف مجتهد، أن يبارك له سعيه، أو دعاء صابر: أن يُجمل له العافية.. حتى إذا لم يبق في طوق البشر مدَّخر، تدخلت العناية العليا لتقمع صغر العالم، وتقيم جانب المظلوم" (10) ."
أما الملمح الثاني وهو الدعاء على المكذبين المعاندين والظالمين المتجبرين فمنه ما يرويه ابن مسعود (رضي الله عنه) قال: بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، وجَمْعٌ من قريش في مجالسهم إذ قال قائل منهم: ألا تنظرون إلى هذا المرائي؟ أيُّكم يقوم إلى جَزور آل فلان، فيعمد إلى فرثها ودمها وسَلاها، فيجيء به ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه؟
فانبعث أشقاهم، فلما سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا، فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلق إلى فاطمة (رضى الله عنها) وهي جويرية (تصغير جارية) فأقبلت تسعى، وثبت النبي صلى الله عليه وسلم ساجدًا حتى ألقته عنه، وأقبلت عليهم تسبهم..
فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة، قال:"اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش، اللهم عليك بقريش". ثم سمَّى:"اللهم عليك بعمرو بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط، وعُمارة بن الوليد". قال ابن مسعود: فوالله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر، ثم سُحبُوا إلى القُليب (البئر المفتوحة) قليب بدر ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"وأُتبع أصحابُ القليب لعنةً" (11) .
وفي غزوة أُحد، وبعد أن نال المسلمين ما نالهم من الأذى والجهد والبلاء، وأصيب رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أصيب به، وفُجع في عمه حمزة بن عبد المطلب، حتى نشغ من البكاء عليه (12) .. صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأصحابه الظهر قاعدًا لكثرة ما نزف من دمه، وصلى وراءه المسلمون قعودًا، وتوجه النبي صلى الله عليه وسلم بعد الصلاة إلى الله بالدعاء والثناء، على ما نالهم من الجهد والبلاء، فقال لأصحابه:"استووا حتى أثني على ربي عز وجل"، فصاروا خلفه صفوفًا، ثم دعا بهذه الكلمات:
"اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت..." (13) .
وهذا الموقف من أعظم مواقف العبودية التي تسمو بالعابدين، وتجلّ المعبود، كأعظم ما يكون الإجلال والإكبار.
وحينما غدر حلفاء هُذيل بأصحاب الرجيع من القراء الذين أرسلهم النبي صلى الله عليه وسلم معلمين ومفقّهين في غزوة الرجيع، وكانوا سبعين، فقتلوهم جميعًا، فقنت عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم شهرًا كاملًا في صلاة الفجر، يدعو على قبائل سُلَيمْ التي عصت الله ورسوله.