من تمام الأمانة العلمية أن الناقد قد يُضعف أباه أو ولده أو قريبه إذا كان يستحق ذلك، لا يداري في ذلك أو يداهن، والأمثلة كثيرةٌ على هذا، منها: قول شعبة:"لو حابيت أحدًا لحابيت هشام بن حسان، كان ختني ولم يكن يحفظ" ( ) .
وسُئل علي بن المديني عن أبيه، فقال: اسألوا غيري، فقالوا: سألناك، فأطرق، ثم رفع رأسه وقال:"هذا هو الدِّين، أبي ضعيفٌ" ( ) .
(2) تضعيف النقاد لرواية بعض الصالحين:
وضع أئمة الحديث قواعد محكمةٍ في بيان من تُقْبَل روايته ومن تُردّ، ولم يحابوا في ذلك أحدًا، ولهذا ضعفوا أحاديث بعض الصالحين الذابين عن الدِّين، لأنهم ليسوا أهل رواية، فقبلوا ديانتهم وصدقهم، وردوا روايتهم لضعف حفظهم، فأعطوا كل ذي حق حقه، وهذه هي الموضوعية التي تحفظ للناس أقدارهم، فعن أبي الزناد قال:"أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون، ما يؤخذ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله" ( ) .
وقال الإمام مالك بن أنس:"إن هذا العلم دِينٌ فانظروا عمّن تأخذون دينكم، لقد أدركت سبعين عند هذه الأساطين ــ وأشار إلى مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ــ يقولون: قال رسول الله، فما أخذت عنهم شيئًا، وإن أحدهم لو ائتمن على بيت مال لكان به أمينًا، إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن، ويقوم علينا محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب، وهو شابٌ فنزدحم على بابه" ( ) .
وأين هذه المواقف العظيمة لأئمة الحديث من بعض الدعاة في عصرنا هذا الذي يُزَكُّون فيه بإطلاق فئامًا من الناس بسبب الرابطة الحزبية أو المناطقية، ويجرحون آخرين من أهل الفضل والصلاح لأنهم ليسوا من أصحابهم؟
خامسًا: كلام الأقران يطوي ولا يروى
قد يحصل أحيانًا بين بعض الأقران شيء من الاختلاف فيؤدي ذلك إلى وقوع بعضهم ببعض بدون تأنٍ، من أجل ذلك كان النقاد الجهابذة من المحدثين يهملون هذا الجرح بين الأقران إذا تبين لهم أنه ناتجٌ عن نزاعاتٍ شخصيةٍ أو تحاسد، قال الذهبي:"كلام الأقران بعضه في بعض لا يعبأ به، لا سيما إذا لاح ذلك أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسدٍ، وما ينجو منه إلا من عصمه الله، وما عَلِمت أن عصرًا من الأعصار سَلِم أهله من ذلك سوى الأنبياء والصديقين، ولو شئت لسردت من ذلك كراريس" ( ) .
وقال أيضًا:"لسنا ندعي في أئمة الجرح والتعديل العصمة من الغلط النادر، ولا من الكلام بنَفَس حاد فيمن بينهم وبينه شحناء وإحنة، وقد علم أن كثيرًا من كلام الأقران بعضهم في بعض مهدرٌ لا عبرة فيه، ولا سيما إذا وَثَّق الرجل جماعة يلوح على قولهم الإنصاف" ( ) .
وهذه القاعدة النفيسة لو أنها أعملت في كثيرٍ من النزاعات التي تحدث بين بعض أقران العلماء أو الدعاة في عصرنا؛ لاطَّرحنا كثيرًا من النزاع والجدل الذي نسمعه أحيانًا هنا أو هناك.
الخاتمة
أحسب أنَّ المنهج النقدي عن المحدثين عامرٌ بالقواعد والأصول العلمية التي تربي الدارسين على الاتزان والموضوعية، وتضبط طريقة التفكير الذي غَشِيته ــ عند كثير من الناس ــ غاشية الجهالة والأهواء، وتعالج كثيرًا من الخلل والاضطراب في صفوف الدعاة والمصلحين.
وإحياء ما اندرس من هذا المنهج طريقٌ ممهِّدٌ ــ بإذن الله تعالى ــ إلى وحدة الصف، كما أن إشاعة العلم بتلك الأصول والقواعد في أوساط الدعاة وطلبة العلم لها أثرٌ كبيرٌ في تجسير العلاقة بينهم بالحسنى، وردم الهوة السحيقة التي تزداد تجذرًا في الواقع الدعوي الذي نعيشه، وإزالة كثير من الخلافات التي ليس لها حظ من الأثر أو النظر.
أسأل الله ــ عز وجل ــ بأسمائه الحسنى، وصفاته العلى، أن يعيذنا من مضلات الأهواء والفتن، وأن يجمع قلوبنا على الطاعة.
وصلى الله وسلم على محمد وآله وسلم.
* رئيس تحرير مجلة البيان