{وَإذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ * قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ} [الأعراف: 28 - 29] .
فالله ـ تعالى ـ ينزِّه نفسه عن أن يأمر بالفحشاء، وأنه إنما يأمر بالقسط. فإذا فسرت الفحش بأنه ما نهى الله عنه والقسط أنه ما أمر الله به، صار معنى الآية: إن الله لا يأمر بما ينهى عنه، وإنما يأمر بما يأمر به.
ثالثًا: لماذا يلتزم المسلم بمكارم الأخلاق؟ لأسباب ثلاثة:
أولها: أنه كغيره من عباد الله من ذوي الفطرة المستمرة على استقامتها: يصدق، أو يفي، أو يعدل؛ لأنه يحب هذه الخصال ويبغض أضدادها، ويرى في الالتزام بها إكرامًا لنفسه، وفي الخروج عليها تدنيسًا لها.
ثانيها: أن إيمانه بربه وحبه لما يحب يقوّي هذا الشعور الفطري فيه.
ثالثها: أنه يرجو ثواب ربه ولا سيما حين يقتضي الفعلُ الحَسَنُ قدْرًا من التضحية. وهو في كل هذا سائر على مقتضى المعايير التي يلتزم بها العقلاء. أما غيره فإنه حين يسلك هذا السلوك الحسن يضطر لأن يخرج على بعض تلك المعايير. إن كل إنسان يرى أنه من أكبر العبث أن يُقْدِم على فعل لا يرجو منه نفعًا ألبتة كما بيّنا في المقال السابق. فما الذي يجعل مكارم الأخلاق مستثناة من هذه القاعدة؟ إنه حتى الذي لا يؤمن بالله ولا بآخرة لا يلتزم بها التزامًا لا يجد له نفعًا في هذه الحياة الدنيا. بل إنه قد يُحْسِنُ لِمَا يجد للإحسان من أثر طيب على نفسه، أو لأن الناس يحمدونه عليه، كما كانوا يفعلون مع مشاهير الكرماء من أمثال حاتم الطائي. فما الذي يجعل العمل من أجل مثل هذا الثواب خيرًا من رجاء الثواب عند الله تعالى؟
حين كنت أفكر في كلام هؤلاء الفلاسفة أيام الشباب لفتت نظري هذه الآية الكريمة:
{قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [المائدة: 119] .
قلت: إذا كان الصدق رأس المكارم الخُلُقية ومع ذلك ينتفع به صاحبه نفعًا خاصًا؛ فلا منافاة إذن بين أن يكون العمل من مكارم الأخلاق وبين أن ينتفع به صاحبه.
ثم لفت نظري قوله ـ سبحانه ـ الذي وجدت فيه الرد على شبهتهم:
{هَلْ جَزَاءُ الإحْسَانِ إلاَّ الإحْسَانُ} [الرحمن: 60] .
فكأن الآية تقول لهؤلاء: إن الذي ظننتموه متناقضًا مع مكارم الأخلاق هو منها ومن مقتضياتها.
بعض الفلاسفة الذين أثاروا هذه الشبهة ذكروا ـ هم أنفسهم ـ في مقابلها شبهة تنقضها. فهذا زعيمهم الفيلسوف الألماني «كانْت» الذي اشتهر بنظرية تسمى: الواجب المطلق categorical imperative ، والتي فحواها: أن الإنسان يجب أن يلتزم بمكارم الأخلاق لا لأيِّ سبب نفسي أو خارجي، بل أداءً للواجب الذي يعبّر عنه هذا الأمر المطلق المسمى بـ «القانون الخُلُقي» . هذا ـ كما ترون ـ مجرد تحكم، لكنه قول صار عند الغربيين من النظريات الخُلُقية التي ما تزال تُدرس وتُنشر.
لكن «كانْت» هذا قال في مكان آخر قولًا ينقض دعواه هذه.
في مناقشته لأدلة وجود الخالق انتهى إلى أن أحسن دليل هو الدليل الخُلُقي الذي فحواه أن القانون الخُلُقي يقتضي العدل، أي: أن تكون سعادة الإنسان متناسبة مع التزامه بالفضيلة. وهذا أمر لا يضمنه إلا الخالق، لكنه لم يضمنه في هذه الدنيا فلا بد إذن من دار أخرى يتحقق فيها.
والقارئ المسلم يعلم أن ما يُسمى بالدليل الخُلُقي مصرّحٌ به في كثير من آيات الكتاب العزيز، من مثل قوله ـ تعالى ـ:
{أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَن يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ} [العنكبوت: 4] .
وقوله ـ تعالى ـ: {إنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ * أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} [القلم: 34 - 36] .