فهرس الكتاب

الصفحة 10973 من 27345

جاء في تفسير القرطبى أثناء كلامه في الآية 25 من سورة"الأنعام"عن ابن عَبَّاس: أن المشركين"قَالُوا لِلنَّضْرِ بن الْحَارِث: مَا يَقُول مُحَمَّد؟ قَالَ: أَرَى تَحْرِيك شَفَتَيْهِ وَمَا يَقُول إِلا أَسَاطِير الأَوَّلِينَ مِثْلمَا أُحَدِّثكُمْ عَنْ الْقُرُون الْمَاضِيَة، وَكَانَ النَّضْر صَاحِب قَصَص وَأَسْفَار، فَسَمِعَ أَقَاصِيص فِي دِيَار الْعَجَم مِثْل قِصَّة رُسْتُم وإسفنديار فَكَانَ يُحَدِّثهُمْ". وقد أتاها هذا"البطلان"من موقف المشركين نفسه لا من شىء آخر كما قلنا، إذ كانوا يقصدون باستعمالها أن يقولوا إن ما يتلوه محمد ليس وحيا نزل من عند الله، بل هو كلام منقول عن السابقين مسطورٍ في الكتب ويُتَعلَّم تعلّما ويستطيع أن ينسخه من يريد. فتكذيبهم بالوحى هو الذى خلع، من حيث الواقع العملى، على الكلمة معنى"البطلان"، وإلا فلو كانوا يقصدون أن يتهموا آيات القرآن بأنها قصص باطلة لا أساس لها لقالوا مثلا:"خُرافات"أو"أحاديثُ خُرافة".

وقد تعلق أركون بهذه الكلمة وعضّ عليها بالنواجذ ليصف بها القرآن الكريم بعد أن أعطاها المعنى الذى نستعملها به الآن، وهو معنى"الخرافة"كما سنوضح لاحقا، فلما هاجمه بعض الكتاب المسلمين الذين يغارون على دينهم وعلى الحقيقة التى يمثلها هذا الدين في أصفى مجاليها وتجلياتها وأظهروا سخف ما صنع، أخذ يتمحّك قائلا إن المسؤول عن ذلك الالتباس هو د.عادل العوا (مترجم كتابه"الفكر العربى") . كما زعم في محاضرة له بدمشق ضمن نشاط"أيام الفرنكفونية"أنه قد وقع بينهما خصام ومشادة بسبب ترجمته لعبارة"كتاب قصصى"بـ"كتاب أسطورى"! (انظر مقال أنور بدر في صفحة"أدب وفن"من صحيفة"القدس العربى"اللندنية/ الجمعة 26 مارس 2004م) . وهذا كلام عجيب لا يجوز ولا في عقول البُلْه، إذ الدكتور العوا لم يصنع شيئا أكثر من أنه ترجم الكلمة التى استعملها أركون في وصف القرآن مرارا وتكرارا في كتبه ومقالاته وحواراته المختلفة، ألا وهى كلمة"un mythe, mythique"، التى لا تعنى ولا يمكن أن تعنى إلا"أسطورة، أسطورى"حسبما ترجمها العوا. ترى ماذا كان د.أركون يريد من الأستاذ المترجم؟ أكان يريد منه أن يلغى عقله وضميره حتى لا يكشف للقارئ العربى المسلم هذه العورة الفكرية؟ لكن ما الذى أدرى العوا بأن أركون لا يريد أن يعرف ذلك القارئ بهذا الذى يقوله في القرآن؟ أكان يشمّ على ظهر يده؟ أتراه كان كاهنا، فهو يطلع على الغيب ويعرف مقدما أن د. أركون سوف يغضب من هذه الفضيحة غير المقصودة؟ جاء في حوار أجراه محمد البنكى مع د. أركون في عدد 6 يناير 200م من مجلة"أوان"التى تصدرها كلية الآداب بجامعة البحرين إشارة إلى ما كان الكاتب الجزائرى المتفرنس قد قاله في كتابه الذى ترجمه عادل العوا:"الفكر العربى"، وهو أن"The Quran is a discourse with mythical structure"، ونقله العوا إلى لغة الضاد قائلا:"القرآن خطابٌ أسطورىُّ البنية"، وهى ترجمة سليمة ودقيقة ولا يمكن أن ينتطح فيها عنزان، أو حتى يتصارع دِيكان!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت