فهرس الكتاب

الصفحة 7915 من 27345

إن الإدمان على الغيبة لا يورث المغتاب إلا مزيدًا من عواطف (الغل والكيد والكراهية) للآخرين ، والمغتاب مخلوق أعمى البصر والبصيرة ، وإن شئت فقل أعورهما لأنه لا يبصر في الآخرين إلا المثالب والمعايب !! وهو مخلوق سجن نفسه بين جدران التشاؤم السوداوية ، وعصب عينيه بعصابة الأنانية واللؤم ، فعاش كارهًا مكروهًا ، نابذًا منبوذًا !! وهل أقتل للإنسان العاقل من حالة كهذه الحالة التي يؤول إليها أمره ؟!

على أنه قد يتبادر للذهن أنني أدعو ـ من حيث لا أقصد ولا أنتبه ـ إلى إغماض العين عن الأخطاء المحيقة ، والفساد المستشري سواء في الأفراد أو المجتمع ، وأدعو بالتالي إلى تجاهلها والسكوت عنها .. وهذا السكوت والتجاهل فيه من الخطورة والضرر ما ليس يوجد مثله في الغيبة والفضح !! معاذ الله وألف كلا .. فأنا لست غافلًا عن مثل هذا المنزلق البليد ، وإنما أردت أن أقول:

إنه لمن الخطأ الجسيم أن ننظر إلى الأشياء بعين واحدة فقط ، وقد وهبنا الله تعالى عينين اثنتين .. عينًا لترى القبح والثانية لترى الجمال .. واحدة لتبصر الخطأ فتتحاشاه والثانية لتبصر الحق فتتبعه .

وإنه لا ضير أبدًا من الغيبة (في الحدود المشروعة) للأفراد ؛ إلا أنه من النافع جدًا والضروري جدًا أن نفتح عيننا الثانية على أوجه الخير ومواطن الصلاح التي لابد أنها موجودة ـ ولو بقدر ـ في طبائع هؤلاء الناس الذين نغتابهم ؛ لأننا عندما نتحدث علنًا عن بعض (الإيجابيات) الكائنة في سلوك الأفراد ، كأن نحمد لفلان وفاءه ، وللثاني جرأته في قول الحق .. لذاك أمانته في البيع وقناعته ، ولهذا حفظه لحقوق الجوار، وهكذا ... فإننا بهذا نشجع هؤلاء على مزيد من الفضيلة والسلوك الحسن ، ونورطهم في الخير توريطًا ، وأنعم به من توريط مباح وحميد !!

وإننا بهذا ـ أيضًا ـ نكون قد كافأنا المحسن على إحسانه ولم نسو بينه وبين المسيء الذي صمتنا عن الكثير من عيوبه حذر الوقوع في الحرام !!

كما أننا بهذا الحديث العلني عن (الإيجابيات) ، نكون قد روجنا في أوساط الناس عن إدراك ووعي ، لكل خلق فاضل وسجية كريمة ، وخصلة طيبة .. وكما أن الفساد والشر قد ينتشران بالعدوى والإيحاء ؛ فكذلك الخير والمعروف ينتشران بالعدوى النفسية والإيحاء !!

وما قيل على صعيد (الأفراد) ، يقال على صعيد (المجتمعات) . فنحن لا ضير علينا أبدًا في أن نرفع عقيرتنا عاليًا بالنقد والتجريح ، وربما بالفضح أيضًا لكل ما نراه ونلمسه في دائرة المجتمع الكبرى من المخازي كالفوضى والتفريط بالحقوق العامة ، والظلم ، والبغي . والسرقات ، وما إلى ذلك .. مما قد يكون موجودًا بالفعل في مجتمع ما وذلك بقصد التنبيه إلى الانحراف ، ووضع الأمور في نصابها الصحيح .. كما أنه لا ضير من رصد الألوان القاتمة السوداء في المجتمع والتحذير منها ، كانتشار الفاحشة ـ مثلًا ـ وانعدام الوفاء ، وتفشي الموبقات وضياع المروءات والأمانات ، وضعف الضمائر، وغير ذلك مما هو طارئ على المجتمع أو مستفحل فيه !!

ولكن الضير كل الضير ـ وكلامي هنا موجه إلى الدعاة إلى الله وإلى المصلحين بشكل خاص ـ في أن نظل نضرب على هذا الوتر المرعب الرهيب ! ونعزف هذه المعزوفة القديمة الجديدة ، التي لا تزرع في قلوب سامعيها إلا اليأس والقنوط ، يتبعهما الخنوع والاستسلام عند أقدام المنكر في انتظار القيامة والحشر!!

إن الموقف الصحيح ـ فيما نرى ـ هو الموقف الذي نبصر فيه الأبيض والأسود معًا .. ونتحدث فيه عن البيض والأسود معًا ، إن كان لابد من الحديث عنهما كليهما !!

الموقف الصحيح يتجلى في أننا عندما نرصد في المجتمع تيارات العري المخزي الذي يذكرنا بالحياة البهيمية الأولى ،وعندما نتابع بقرف مناظر الصراصير والقمل والخنافس وأشباهها من الحشرات البشرية السارحة في صفوف شبابنا الضائع الممسوخ .. فإنه ليتوجب علينا في الوقت نفسه أن نرصد في المجتمع تيارات الهدى والإيمان ، ونتابع بارتياح واستبشار مناظر الشباب المؤمنين ، والفتيات المؤمنات الصينات المحتشمات ، من اللواتي والذين يملئون المعاهد والمساجد ونوادي العلم والثقافة ، بأعدادهم الوفيرة ، وبشخصياتهم القوية المتميزة ، وبثباتهم على الحق رغم وعورة الطريق ، وبإخلاصهم الذي لا شك فيه ..

كما علينا عندما نطيل الحديث عن الأخلاق الضائعة ، والمروءات المفقودة ، والضمائر النخرة .. ألا ننسى أنه ما يزال في المجتمع أصحاب أخلاق حميدة ، ومروءات عتيدة ، وضمائر حية . وهم من الكثرة بمكان مرموق .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت