فهرس الكتاب

الصفحة 4755 من 27345

فمن المعلوم أن"الدين"هو الذي يقود مسيرة الحضارات في فجرها الصادق، ويهيمن عليها، ويعمر ضميرها، ويرسي قواعد سلوكياتها وأخلاقياتها، حتى إذا قويت واشتد ساعدها، وعلا ضحاها، ودلفت إلى ظهيرة عمرها، جاء دور العقل لينشر سلطانه فوقها، ويستحكم فيها، ويتحكم بها، وربما صار وثنا يتعبد له الناس من دون الله تعالى... ثم تمضي في سيرها حتى تميل شمسها نحو الزوال ثم الغروب، فإذا بالعقل يتخلى عن عرشه ويتركه للحس ليتربع فوقه ويصبح هذا الحس سيد العقل وسلطانه بعد أن كان خادما له، ولا يعني هذا التقسيم الاعتباري لأدوار الحضارات أن هناك حواجز وفواصل ظاهرة وحادة بين دور ودور. فقد تتداخل الأدوار بعضها ببعض غير أن طابعًا عاماُ يظل يميز الأدوار ويدفعها بشارته ويعطي كل جزء زمني منها صفته الغالبة عليه. والدور الحسي الذي يطغى اليوم على حضارة الغرب. قد فجر حسيات الإنسان إلى آخر مداها وطاقاتها، وفجر مع ذلك حس الأرض والسماء، وأثار خفايا الأرض بترابها ومائها وهوائها، فإذا بها تتزلزل وتلقي بأثقالها وأسرارها بين يديه ليبتني من عناصرها مدنيته الحسية الباردة والمفتقرة إلى دفء الروح وشفافية الدين والإيمان. ولعل ثمار هذه الحسية ترجع في جذورها إلى ذلك التصور الحسي للألوهية والربوبية في العقيدة التي يدين بها أبناؤها.

أما الإسلام، أو بالأحرى حضارة الإسلام، فهي وحدة واحدة، تبدأ بالعقيدة وتنتهي إليها، فالروح والعقل والحس يتداخل بعضها في بعض، وتمشي جميعها جنبا إلى جنب في جميع مراحل تطورها، فالسمع والبصر والفؤاد والعقل، كل هؤلاء موضع الخطاب القرآني، وهي مناط التكليف في الدنيا، والمسؤولية في الآخرة، فحضارة هذا شأنها وإن غابت عن حس المسلم، ولم يعد يتلمس وجودها في واقع حياته إلا أنها حاضرة قائمة في عقله وروحه، شاخصة في خياله وذاكرته، فسماء ذاته ما أقفرت يوما من خفقات نجومها، وومضات كواكبها ورغم انه يعاني اليتم، وكوالح الاغتراب، إلا أنه سيبقى متشبثا بها، متعلقا بأمراسها، وأبدا لن يشد للرحيل عنها الرحال، لانها تمتزج بأجزاء نفسه، وتجري في مجاري روحه.

إن قوة الفكر الذي تحتاجه هذه الحضارة لتنهض من جديد قمين بعقول عظماء الرجال ممن عانوا الاغتراب الفكري ووقفوا على مشارف الخطر المحدق بها من خلال البنى الفكرية التقليدية المكرورة، والتي فقدت وهجها وحرارة تأثيرها. فظهور هذا الفكر بين ظهرانينا هو منعطف تاريخي مهم في حياة الإسلام والمسلمين والسعي إليه فرض عين على كل صاحب قلم يحرص على وجودها كما يحرص على ماء عينه وإذا كنا نصر على أن يكون للفكر الإسلامي مكان مرموق في عالم اليوم، فلابد أن ينجم من بين فحول مفكرينا فكر رجولي جديد يتسم بالأصالة والقوة والحيوية، ليغزو كيان المسلم المعاصر وهو على أبواب العقد الثاني من القرن الخامس عشر. إن التجديد الذي تحدث عنه الأثر النبوي الشريف والقائل بأن الله سبحانه وتعالى يبعث على راس كل مئة سنة من يجدد هذا الدين هو أحد مفاخر ديننا، بل هو اعظم مفاخره، ففيه إشارة إلى ذلك الالتحام الأبدي بين ديننا وبين صيرورتي الزمان والمكان، وهو سر خلود هذا الدين وبقائه ما بقي الزمن والمكان.

وليس من همي هنا أن استطرد في وصف هذا الفكر وما ينبغي أن يكون عليه، إلا أنني لا أرى ما يمنع من الإشارة إلى بعض ما نريده منه، لاسيما وانه قد ومضت منه ومضات عند البعض من مفكري الإسلام وعلمائه المُحدَثين... فنريده كالعاصفة المنطلقة من سجنها يوقظ هاجع الأفكار في جميع الأذهان. ويعصف بقبور العقول ومدافن النفوس لتقذف بأموات أفكارها، وظلمات أرواحها بعيدا عنها ونرجوه فكرا كونيا شموليا يربط ربطا محكما بين حقائق الدنيا وحقائق الآخرة، ويصل ما بين قلب الكون وقلب الإنسان، ونتمناه حارا دافقا يهدر بالأفكار كما تهدر شلالات الطبيعة، ليس فيه برودة الأكاديمية وجفافها ولا ضبابية الإنشائية، وتهويماتها، وانما هو مزيج من فيض الروح ودفقه، ووقدة القلب وضرامه، وحرارة العقل وجلاله. إنه باختصار فكر قرآني يمنح الإنسان قدرة على فض أختام العالم، وحل لغز الوجود، وتمزيق ما تحجبت به الحياة من قمط النواميس والسنن وقوانين الأسباب والمسببات، فيأخذ بيده مخترقا مفازات هذه الحُجب ليوقفه بين يدي خالقه وبارئه، تاركا العوالم كلها وراء ظهره في عبودية خالصة مخلصة لرب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت