غير أن الشعور بالاغتراب الفكري والروحي، رغم ما يخلفه من آلام وأحزان، يشكل عامل تحريك لقوى النفس، وتنشيط لخلايا الفكر والروح. فالابداعات الفكرية الإيمانية مدينة إلى هذا الشعور بالاغتراب عند المبدعين وإحساسهم بأنهم غرباء في أوطانهم وأزمانهم بغربة ما يملكون من فكر لم تتهيأ الأوطان والأزمان بعد لقبوله، والتواصل معه، إلا أنهم يمضون في أداء رسالتهم على أمل أن يأتي ذلك الزمان الذي يحسن الفهم عنهم والتلقي منهم. وما من أذن مهما بلغ بها الصمم إلا وهي جائعة إلى الكلمة الناضحة برحيق الروح، والندية بعسل القلب، حين يتفجر بها لسان صدق يريد أن يرأب بها ما أحدثه الناس في نفوسهم من صدوع، ويرمم ما خلفوه فيها من شروخ، ومهما قام بين المسلم وزمانه من سدود الغربة والاغتراب، وجدران الخلف والاختلاف، إلا أن القلب المفعم بإيمانه، والعقل الزخار بفكره، والروح الجبار بقوته، قادر على تحطيم السدود، وخرق الحدود، والوصول إلى شغاف القلوب، ولباب الأرواح والعقول.
ورغم علمنا أن الحقيقة - أية حقيقة - قادرة على الدفاع عن نفسها، وشق طريقها في الحياة مهما كانت العوائق، إلا أننا - للأسف الشديد - قد نشكل بعض هذه العوائق من غير قصد منا... فهناك مساحة شاسعة بين ما نطمح إليه، وبين الجهد الذي نقدمه في سبيله... بين القمة الشامخة التي تنتصب فوقها حضارتنا وبين قزمية الأفكار التي نجعلها سلمنا للارتقاء إليها... إننا في الحقيقة بنا حاجة إلى بُنَى فكرية شامخة تطول شموخ حضارتنا، وعقول إيمانية كبيرة شمولية جامعة تجمع الشتيت، وتقرب البعيد... وسنكون سعداء غاية السعادة ونحن نقف إزاء عقل عميق يرفد عقولنا بجليل الأفكار، ويغني وجودنا بعظيم الآراء... وسوف نكون اكثر سعادة ونحن نصغي إلى هتاف روح سام متجرد لله، يشحذ أرواحنا، ويرهف ضمائرنا، ويسكب فينا من روحه قوى حية تدفع بنا إلى التغيير والتجديد... وهذا هو الرجل الذي سنمنحه الكثير من حبنا واحترامنا، لأنه إن كان عظيما من يستطيع تفجير طاقات المادة وتحويلها من صورة إلى أخرى، فان الأعظم منه من يستطيع تغيير العقول والنفوس من حال إلى حال.
غير انه ومنذ دخول العالم الإسلامي شتاءه الحضاري القاسي، وعقل المسلم لم يعد عقلا فاعلا، انه في حالة استرخاء دائم، لم يعد ذلك العقل المستوفز المشدود اليقظ، والمستعد دوما لالتقاط إيماءات، واستلام إشارات الطبيعة، ولم يعد عقلا مغامرا يستهويه المجهول، ويفتنه المستور، حتى لكأنه يخاف الحقائق ويستهولها، فيتحاشاها ويهرب منها، وبذا لم تَعُد حياتنا الإيمانية وحدها مهددة باليبس والنضوب، بل غدا إدراكنا نفسه مهددا بالشلل والجمود، إن دم إسلامنا الطيب الطهور يسري في عروقنا، ولكنه دم خامل هامد، به حاجة إلى عملية فصد لكي يتجدد ويستعيد حيويته ونشاطه، ولن يقدم على عملية الفصد هذه إلا واحد من مفكرينا، يمتشق قلمه، ويجعل منه مشرطا حادا يغوص عميقا في عقل المسلم وروحه، ليحرك سكونهما، ويستفز همودهما، وهذه هي السبيل التي لا مناص منها لكي تنشط عقولنا، وتتجدد قلوبنا وأرواحنا، وهذا المفكر آت لا أشك بمجيئه، لان زلزالا فكريا رهيبا يعصف اليوم بعقول مفكري هذه الأمة، ويوشك أن ينجلي عن منجم إيماني عظيم يعد المسلمين بكل نفيس وجديد من الأفكار، انه المفكر المنتظر، ذو العقل الموسوعي، والحس الحضاري، المتفتح على تجارب الحضارات، فيعرف منها وينكر، ويقبل منها ويرفض.
كانت"أوروبة"في إبان حضارتنا قد آنست نارا عظيمة في الشرق، فقالت لأهلها: (امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى) (طه:10 ) . فلما جاءتها قبست من نورها أقباسا، وذهبت بهذه الأقباس فأنارت بها عقول أذكياء أبنائها فإذا بهذه القبسة الحضارية تنمو وتكبر، وتبلغ من النضج ما يشاء الله لها أن تبلغ، ثم تعود إلينا من أبوابنا المشرعة، وتتعرض لنا بسحرها ومفاتنها، فإذا بنا نعرف منها وننكر، فهي قريبة إلى نفوسنا في بعض جوانبها وغريبة بعيدة عنا في بعضها الآخر... نعرف منها روحها المغامر الطلعة، لأنه روحنا المفقود، ونعرف منها شغفها بالمجهول، وشوقها إلى كشف الأستار عن المعارف والعلوم لأنه شغفنا وشوقنا الموءود...
ونعرف منها علومها في الحياة والفلك والطب والنبات والحيوان، لان جذور هذه العلوم ممتدة في عقول الافذاد من علماء حضارتنا الماضين، ولكننا ننكر منها عقلها المغرور الجحود، وقلبها المتفسق، وجسدها الذي يغلي بالحسيات... فهذه جوانب منها ليست منا، ولسنا منها، فهي غريبة عنا، ونحن غرباء عنها.