لقد وقع بعض الدعاة ، بعد أن سحرتهم حضارة الغرب وزخارفها الكاذبة وخدَّرتهم ، وقعوا في شركها وبين أنيابها ومخالبها . فلم يكتفوا بأن يتولّوا الدعوة إلى العلمانية حينًا ، وإلى الديمقراطية حينًا آخر ، وإلى الاشتراكية حينًا آخر ، وإلى كل"فتنة"جديدة تأتي من الغرب الساحر بخدره وسَكَرِه ، بل ذهبوا إلى أبعد من ذلك ، فأخذوا يؤولون بعض الآيات والأحاديث تأويلًا واضح الفساد ، تأويلًا تدفعه الأهواء الهائجة والرغبات بين الناس ، وكثير من الناس لا يعلمون دينهم وهم مسلمون ، يأخذون الدين مما قال هذا ومما قال ذاك ، يأخذونه من البشر الذين لا يُتبعونه بالدليل من الكتاب والسنَّة بصورة أمينة صادقة .
فتنتشر آراء كثيرة بين الناس ، تفتنهم عن صفاء دينهم وسلامة تصورهم وفطرتهم . ولقد جمعت نماذج من ذلك قدر استطاعتي ورددت عليها في كتابي بعنوان:"الانحراف"! وكنت أظنُّ أني غطَّيت مساحة كبيرة نسبيًا ، حتى فوجئت بآراء جديدة تموج بها بعض الأقلام وبعض الأفواه والألسنة . تموج بها وتزخرفها بألفاظ من الزينة المغرية ، كألفاظ الإنسانيّة ، الأخوة الإنسانيَّة ، والمصلحة ، العدالة ، حريَّة الإنسان ، والوطنيَّة ، والقوميَّة ، شعارات متفلتة من أيِّ ضوابط ، تُغري النفوس فتقبل عليها فلا تجد نهجًا ولا شرعًا ولا ضوابط .
لقد اختلطت مصطلحات الوطنية والقومية والعروبة بالإسلام ، حتى كادت تطغى على كلمة الإسلام ، أو تحلُّ محلها على ألسنة بعض الدعاة . ولذلك فقد حصر بعض الدعاة نظرتهم في الإصلاح إلى إصلاح وطنهم ، وأخذوا يعلنون ذلك، ويحدِّدون حقوق المواطن على أساس المواطنة بغض النظر عن شريعة الله ، حتى جعل بعضهم رابط المواطنة أخوة في المواطنة وطويت أخوة الإيمان ، وأخذوا بشرع الغرب والعلمانية في ذلك دون شرع الله . وقالوا بلسان عربيٍّ مبين:"إنّ لهم أي لغير المسلمين ما لنا ( أي للمسلمين ) وعليهم ما علينا". وظننت بادئ الأمر أنها هفوة عالم يمكن أن تزول . ولكن رأيت أن هذا القول:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"أَخذ يمتدُّ ويُردِّده دعاة مسلمون هنا وهناك ، وينسبونه إلى الله ورسوله ظلمًا وبهتانًا .
ثمَّ فوجئت بكتاب يقول فيه مؤلفه:"أما بالنسبة لغير المسلمين فأساس المواطنة هو"الولاء"للدولة الإسلامية عن طريق العهد ، لأن حق المواطنة لا يستلزم وحدة العقيدة ولا وحدة العنصر ، قال رسول الله:"لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم"! وهذا الدليل يتوافق مع ما نصَّ عليه دستور المدينة الذي قرَّر المواطنة المتساوية لليهود وغيرهم مع المسلمين تحت لواء الدولة الإسلاميَّة ، يعيشون ".ثمَّ يقول:"الثاني: مبدأ التسامح مع أهل الأديان السماوية الأخرى ، وذلك بأن جعل لهم الإسلام من الحقوق وأوجب عليهم من الواجبات عين ما للمسلمين وما عليهم ، وليس أعدل ممن يساويك بنفسه في المنفعة والعدل والحكم"!
ويحيل الكتاب نصَّ الحديث الذي نسبه إلى الرسول إلى"صحيح ابن حبان ، تحقيق شعيب الأرناؤوط ، ط2 ، ثم ذكر الصفحة والمجلد ورقم الحديث ."
ومن هنا ، ومن مثل هذه الكتابات انتشر هذا التعبير عن غير المسلمين في ظل الدولة المسلمة:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"! وكلُّ من درس القرآن الكريم والسنة والتاريخ يدرك أنه يستحيل أن يقول الرسول هذا الحديث أو مثله . ولكن هذه الجملة:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"انتشرت في وسائل الإعلام وعلى ألسنة الدعاة وكثير من المسلمين ليبيّنوا أن الإسلام عادل ومنصف حسب ما يريد الغرب وحسب موازين الديمقراطية والعلمانيَّة ، ولكنهم بادعائهم هذا نفوا العدالة عن الإسلام ، وبدَّلوا في شرع الله الذي به تقوم العدالة بأعلى درجاتها ، وبه وحده تقوم الإنسانية ، وبه تقوم الحريَّة .
ولقد ورد هذا النص:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"في بيان أصدره داعية مسلم بصدد حديثه عن أُخوّة بين المسلمين وغير المسلمين في بلده فامتدَّ تطبيق هذا النص إلى أبعد مما ذهب إليه مؤلف الكتاب الذي أشرنا إليه سابقًا ، إذ بُنيت هنا أخوة بين المسلم وغير المسلم مما لم يحدث في التاريخ الإسلامي كله ، ولا في فقهه ولا في عدالته وحريّته ! فكيف تكون أخوة المسلم مع غير المسلم ، والله ورسوله حدَّدا معنى الأخوّة ومجالات استخدامها ، فالله سبحانه وتعالى يقول:"إنَّما المؤمنون إخوة"! والرسول صلى الله عليه وسلم يقرر في أحاديث كثيرة:"المسلم أخو المسلم .... ! فكيف نشأت هذه المصطلحات والأفكار ؟!"
إنني أشعر أن هذه المصطلحات وهذه التصورات تكاد توحي بدين جديد غير ما أنزله الله على رسوله محمد ، دينًا ينطلق من أفكار بشريَّة ومصادر بشريَّة وإعلام بشري سقط فيه بعض المسلمين .