فهرس الكتاب

الصفحة 22055 من 27345

ولإيضاح ذلك نبيّن أولًا بطلان الحديث:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، فبهذه الصورة هو حديث غير صحيح ، باطل رواية وسندًا ومعنىً . ولكنه جزء من حديث صحيح للرسول ، أُغْفِلَ معظمه ، واقتطعت منه هذه الجملة وعزلت عن بقيَّة الحديث ، فتغيَّر المعنى كليَّة . فلنستمع إلى نصِّ الحديث بكامله من المرجع الذي أشار إليه مؤلف الكتاب السابق ذكره: صحيح ابن حبان تحقيق الأستاذ شعيب الأرناؤوط ص 215 ، ج 13 ، رقم 5895:

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله قال: ( أُمرتُ أن أُقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول لله ، فإذا شهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ، واستقبلوا قبلتنا وأكلوا ذبيحتنا وصلُّوا صلاتنا، فقد حَرُمَتْ علينا دماؤهم وأموالُهم ، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم) . وجاء في الشرح أنه صحيح على شرط الشيخين وأخرجه أبو نعيم في الحلية 8/173 ، وأخرجه النسائي وأحمد وأبوداود والترمذي والخطيب في تاريخه، والبيهقي ...! وذلك يعني أن من دخل في الإسلام مهما كان جنسه فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم . وهذا هو معنى الآية الكريمة في سورة التوبة:

( فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ) [ التوبة: 11 ]

فالحديث إذن معروف في كتب السنة ، معروف بكامل نصّه ، فكيف أغفل الكاتب معظم الحديث والشروط الواردة الحاسمة فيه وأخذ بالجملة الأخيرة ، وبنى عليها قضايا وقضايا كمبدأ التسامح والوطنية والإنسانية وسائر ما استخلصه الكاتب من الحديث الشريف الذي أخذ بآخر جملة فقط منه ، وغيَّر نصَّها !

ويزيد الأمر عجبًا حين نرى كثيرًا من الدعاة ينادون بهذا الشعار غير الصحيح:"لهم ما لنا وعليهم ما علينا"، أو ينادون بما يُبْنى على هذا النصِّ المجزوء من أفكار باطلة ، وافتراء على الله ورسوله ، وتحريف في دينه تدفع إليه ضغوط الواقع كما دفعت اليهود والنصارى إلى أن يُحرِّفوا في التوراة والإنجيل !

ولم يسمِّ الإسلام مذهب اليهود والنصارى دينًا جديدًا أو دينا سماويًا كما ذهب إليه الكاتب ، فالدين عند الله واحد هو الإسلام فقط ، دين جميع الأنبياء والرسل ، ودين موسى وعيسى عليهم السلام جميعًا . إنما سماهم الإسلام"أهل الكتاب"، وبيَّن حقوقهم وواجباتهم بالتفصيل على أعلى درجة من العدالة والحق ، لأنه تشريع من عند الله ، وليس من عند البشر . فليس هنالك أديان سماوية أبدًا إلا دين واحد هو الإسلام . وهل يعقل أن يبعث الله لخلقه أديانًا مختلفة يتصارع الناس عليها صراعًا قد يذهب بالإيمان ، والله يريد من جميع خلقه أن يدينوا بدين واحد ، وأن يؤمنوا برب واحد وإله واحد إيمانًا واحدًا !

لقد عرض نيكسون في كتابه"الفرصة السانحة"موقف أمريكا من الإسلام والحركات الإسلامية . وقسَّم المسلمين إلى ثلاث فئات: الأصوليون والرجعيون والتقدميون . وقال:"يجب علينا أن نعاون التقدميين في العالم العربي . ففي ذلك مصلحتهم ومصلحتنا ، فهم محتاجون لأن يعطوا أنصارهم أيديولوجيَّة بديلًا لأيديولوجية الأصوليين المتطرفين وانغلاق الرجعيين". إن مفتاح السياسة الأمريكية يكمن في التعاون الاستراتيجي مع المسلمين التقدميّين فقط"."

نودُّ أن نقول لنكسون إن هذا التقسيم لا يعرفه الإسلام ، إن الإسلام يقسم الناس بنصِّ كتاب الله إلى: مؤمنين ، منافقين ، أهل كتاب ، كافرين . ولكل قسم من هؤلاء تعريفهم المفصَّل . وإذا كان من يسميهم بالتقدميين يحتاجون إلى أيديولوجية بديلًا عن أيديولوجية الأصوليين والرجعيين ، فلا بدَّ أن نوضح له أن للمسلمين المؤمنين جميعًا أيديولوجيَّة واحدة هي الوحيُ المنزَّل على رسول الله محمد بلسان عربي مبين ، فكرًا وتشريعًا ونهجًا متكاملًا للحياة كلها ، لكل عصر ومكان .

ولكننا هنا نتساءل هل ما نجده في واقع المسلمين اليوم من اضطراب وتناقض وانحراف في الفكر والفتوى والمواقف هو بعض آثار تلك الأيديولوجية التي توفِّرها أمريكا للمعتدلين من المسلمين ؟!

لسنا بحاجة إلى ديمقراطية أمريكا ولا إلى علمانيتها المتناقضة ، فحسبنا ما أنعم الله علينا من دين كامل ونعمة تامة . ولكننا لا نستطيع أن ننكر أن واقع المسلمين اليوم لا يمثّل الإسلام الذي جاء به محمد وحيًا من عند الله . فواجبنا إذن أن ننهض لالتزام ما يأتي وحيًا من عند الله ، بدلا مما يأتي"وحيًا"من عند أمريكا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت