التجديد و الابتداع:
وإنَّ الذي بين التجديد والابتداع، هو ما بين الضدّين من تخالف وتضاد وتعاكس، فلا يمكن أنْ يكون التجديد من الابتداع، بل هما ضدّان متعاكسان:
• الابتداع قطع عن الأصل، والتجديد إعادة للأصل وربط به.
• الابتداع اختراع في أصول الدِّين وفروعه بلا دليل، والتجديد إرجاع لأصول الدِّين وربط لفروعه بالدليل.
• الابتداع طمس لحقائق الدِّين ومعالمه، والتجديد إحياء لتلك المعالم بعد طمسه، فأنَّى يجتمعان، وكيف لهما أنْ يلتقيا؟ فلا يمكن أنْ يكون تجديد
الدِّين بالابتداع فيه يوما ما.. (7)
التجديد و الجديد:
ويخطئ الكثيرون حين يظنون أنَّ التجديد لا يكون إلاَّ بإتيان جديد غير مسبوق في تاريخ التديُّن، أو باختراع عبادة يرون أنها تناسب العصر أو الناس أو الحال، أو بإنشاء أوامر جديدة وتعاليم لم يشر إليها نصٌّ أو استدلال، واهمين أنَّ البقاء على كل قديم جمود قاتل، وأنَّ الثبات على الأصول تقليد مذموم، وأنَّ استصحاب الماضي تعصب خاسر، وينهض لذلك بدوافع رافضة للقديم بمجرد كونه قديمًا، وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حين دخل معركته معهم [تحت راية القرآن] وقال: \"إنهم يريدون أنْ يجدِّدوا الدِّين، واللُّغة، والشمس، والقمر\". وهؤلاء هم الذين رَدَّ عليهم محمد إقبال حين قال: \"إنَّ الكعبة لا تُجَدَّد بجلب حجارة لها من أوربا\".
وهم الذين أشار إليهم أحمد شوقي في قصيدته عن الأزهر:
ولو استطاعوا في المجامع أنكروا ** من كل ساعٍ في القديم وهدمه
من مات من آبائهم أو عمِّرا ** وإذا تقدّم للبناية قصّرا (8) ..
الحق أن مفهوم التجديد - و إن كان مفهومًا شرعيًا- عليه كثير من الغبار غير الذي ذكرنا ، و إننا لنهيب بالعلماء و الدعاة و طلاب العلم والأخوات الداعيات وصناع الحياة ـ أن يبحثوا هذا المفهوم الإسلامي الكبير - التجديد - و لنخرج بملامح منهج التجديد الإسلامي ، من حيث ضوابطه و مجالاته و آثاره ، و من حيث تربية وإعداد المجددين ، و أعتقد أن ظهور المجددين على رأس كل مائة سنة ؛ لا يتحقق إلا بإعداد مسبق ، و تربية عالية المستوى ، و هذا ما أثبته تاريخنا المشرق ؛ فضلًا عن كون عملية ظهور فئة المجددين - رضوان الله عليهم - ، سنة ربانية بحتة ..
الهوامش
1-عبدالله الزبير عبد الرحمن: التجديد و تجديد التدين ، بتصرف ، موقع المشكاة:
2-المصدر السابق
3-أنور الجندي: شبهات في الفكر الإسلامي ، 24 ، بتصرف
4-عبدالله الزبير عبد الرحمن: التجديد و تجديد التدين ، مصدر سابق .
5-هو: سليمان بن عبد القوي الطوفي، حنبلي في الفقه، اشتهر بالرفض والتشيع، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في: \"ذيل طبقات الحنابلة\"،
/366 و377، وابن العماد في: \"شذرات الذهب\"، 6/239
6-انظر: محمد سعيد رمضان البوطي: ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، مؤسسة الرسالة، ط/4، 1402هـ ـ 1982م، ص 202-215. ونجم الدين الطوفي، ود. مصطفى زيد: المصلحة في الشريعة الإسلامية، دار الفكر العربي، ص 15-35 من ملحق الكتاب.
7-عبدالله الزبير عبد الرحمن: التجديد و تجديد التدين ، مصدر سابق .
8-يوسف القرضاوي، مقابلة معه ضمن كتاب الأُمَّة، \"فقه الدعوة ملامح وآفاق\"، عدد [19] ، تحرير الأستاذ/عمر عبيد حسنة، 2/165-