فهرس الكتاب

الصفحة 23843 من 27345

ما تقرَّر من أصل التجديد ووضعه اللُّغوي، وما أوضحناه من مراده استلزامًا لمفهومه الوضعي؛ ما تقرَّر هناك: هو ما استصحبه العلماء حين اصطلحوا للتجديد، كلفظ شرعي ورد في نصوص الشارع الحكيم، وفي قول رسوله الأمين صلى الله عليه وسلم .

فيقول العلقمي في معنى التجديد:"معنى التجديد إحياء ما اندرس من العمل بالكتاب والسُّنَّة والأمر بمقتضاهما، وإماتة ما ظهر من البدع والمحدثات" ( 5) .

وقيل معناه:"تبيين السُّنَّة من البدعة، وإكثار العلم ونصرة أهله وكسر أهل البدعة" (6 ) .

قال الحاكم:"سمعت أبا الوليد حسان بن محمد الفقيه يقول غير مرة: سمعت شيخًا من أهل العلم يقول لأبي العباس بن سريج: أبشر أيها القاضي! فإنَّ الله مَنَّ على المسلمين بعمر بن عبد العزيز على رأس المائة، فأظهر كل سُنَّة وأمات كل بدعة".

ومعنى التجديد الاصطلاحي يظهر أكثر بتعريف أبي الأعلى المودودي ـ رحمه الله تعالى ـ إذ يرى أنَّ المجدِّد هو:"كل من أحيا معالم الدِّين بعد طموسها، وجدَّد حبله بعد انتقاضه.. ( 7) ."

فيكون التجديد: إحياء معالم الدِّين بعد طموسها، وتجديد حبله بعد انتقاضه.

والطموس لم يكن للدِّين، وإنما كان لمعالمه، ولا يريد بالطموس انتهاءه بالكلية من قلوب الناس وحياتهم، ولكن أراد به عدم ظهوره في جوانبه كلها. كما أنه ـ رحمه الله ـ لم يُلصِقْ الانتقاض بالدين، بل ألصقه بحبل الدِّين، وحبل الدِّين وسيلة التمسك به، من شعائر، ومشاعر، ونُسُك، وارتباط الوجدان بالمشاهدة، والمراقبة، والصدق، والتوكل، واستمساك العروة الوثقى، توجهًا بالنفس، وتوجيهًا بالدعوة.

فالتجديد في مراد العلماء ـ إذًا ـ يصدق في أمور:

أولها: إحياء ما اندرس من العلم والعمل.

وثانيها: الأمر بمقتضى الكتاب والسُّنَّة عند غياب الأمر بهما أو التساهل في الاستمساك بمقتضاهما.

وثالثها: تبيين السُّنَّة وتمييزها عن البدعة إذا اختلطتا وتمازجتا، فلو لم يقوَ الناس أو يقتدروا على التمييز بينهما لتمكَّن الجهل وتفشَّت الشُّبهة.

ورابعها: إماتة ما ظهر من البدع والمحدثات، بنشر العلم والدعوة به وإكثاره، ونصرة أهله، وكسر أهل البدع والمحدِثين.

وخامسها: إحياء معالم الدِّين بعد ما أصابها الطموس، بعوامل القسوة وطول الأمد، كما أصيب أهل الكتاب منهما، وقد أخبر الله عنهم في قوله تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) ( 8) .

وسادسها: ربط حبل الدِّين وتوثيقه في وسائله ووسائطه التعبدية والخلقية والوجدانية، إذا أوشك أنْ ينتقض، استمساكًا بعروة الدِّين الوثقى، وحفاظًا على أسبابه المثلى، التزامًا وثباتًا.

وهذا كله هو ما فعله الذين أخبر عنهم النبي الكريم في الخبر الصحيح من حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا) ( 9) .

وذلك كله مقصود المصطفى صلى الله عليه وسلم ، حين يطلب على حرص النبوة إصلاح الذات، وتنقية القلب، وتزكية النفس من رواسب طول الأمد، وتراخي الرباط الإيماني في قوله صلى الله عليه وسلم: (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: (أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ) (10 ) .

ولعله المراد من جهود الطائفة القائمة على الحق للاستمساك بعروة الدِّين الوثقى، وإبقاء شعائره وشرائعه صافية نقية دون تغبّر أو تغيّر بجهود الطائفة الظاهرة بالحق على الحق كما في حديث ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَال:َ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ..) ( 11) .

المبحث الثاني: التجديد والمفهوم الخاطئ له

لم يأخذ التجديد ـ كمصطلح شرعي؛ ورد على لسان الشرع، ونطق به العلماء والدعاة والمفكرون كثيرًا، في أوساط فكرية ودعوية ومحافل علميّة، حقَّه من الفهم الصحيح له، بل تجاوزت به فئات من النَّاس عن المراد الحق منه، إلى معانٍ تناقض مطلوب الشرع، وتنقضّ على ثوابت الدِّين وحقائقه بالإلغاء أو المحو أو التهوين أو التذويب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت