فهرس الكتاب

الصفحة 23844 من 27345

فكثيرون ارتبط في أذهانهم معنى للتجديد، ليس هو المعنى الذي أُطلق عليه، بل هو معنى ـ حسب فهمهم ـ لم يقم على أصول العلم الشرعي، ولم يستصحب الثابت الحق الذي لا يجوز المساس به بحال، فظنوا أنَّ للتجديد رجالًا يجدِّدون للأُمَّة أمر هذا الدِّين؛ وأنَّ التجديد يكون بالتغيير لكل وجهٍ موجود في العصر، وبالنسخ لكل شكل يُتَعَبَّد به الله تعالى في أوانهم، وبالتبديل لكل أصل يقوم عليه الدِّين ـ علمًا وسلوكًا ـ في زمانهم، ظنًا منهم أنَّ التجديد هو: التبديل، والنسخ، والإلغاء، والتغيير بإطلاق، فيخوضون بهذا المفهوم المعكوس الحروب ضد ما ثبت من دين أو تديُّن، ويقودون الحملات الشرسة على كل ما استقر من حال أو شكل لدعوة أو عبادة، دون تمييز وتفريق بين ما يجوز فيه ذلك وما يُمنع، وبين ما يستحق التبديل أو التغيير وما لا يستحق، وبين الذي يصلح للأُمَّة تغييره وتبديله وبين ما يضرها إذا غُيِّر أو بُدِّل، فكل هذا تبديد لا تجديد، ويتبيَّن ذلك من خلال المطالب الآتية:

المطلب الأول: التجديد لحقائق الدِّين

فلا تجديد في حقائق الدِّين بحال، إلاَّ إذا قُصد بتجديدها إزالة الغبار العالق بها، وما أُدخل فيها من الشُبَهِ، وتعلق بها من الخرافات والخزعبلات، فتنقية حقائق الدِّين من هذه العوالق، وتصفيتها من الدخن والوهن وكل ما أصابها يكون من صميم التجديد.

أما محاولات الجهَّال ومن تربَّى على أفكار المتشككين والمستشرقين، وأقام عود قلبه على حب الملحدين، وأصاب عقله ونفسه أمراض الجدة والتغيير المطلق، فمحاولات أولئك ومن اتبعهم بشبر لتغيير حقائق الدِّين الثابتة، وسعيهم المستميت في صياغتها على وفق ما ترسّخ عندهم من أفكار وضلالات اليهود وخرافات النصارى التي تربوا عليها في مراحل التبعية وسنّيها العجاف؛ لا يكون تجديدًا أبدًا؛ وإنما هو تبديد لثوابت العقيدة الحقّة، وجوازم الدِّين التي لا تقبل التبديل، ولا التغيير، ولا النسخ.

فهؤلاء في الحقيقة، تلامذة الأحبار والرهبان من اليهود والنصارى، اتخذوهم أربابًا من دون الله، وما حَرَّف أصول الديانة عند اليهود إلاَّ الأحبار، وما حَرَّف حقائق الدِّين عند النصارى إلاَّ الرهبان، فمَنْ كان هؤلاء مفكريه وأساتذته لا شك اتبعهم في التحريف والتبديل!!.

المطلب الثاني: التجديد في نصوص الشرع

ولن يكون التجديد ممكنًا يومًا لنصوص الشرع، من آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول الكريم، إلاَّ إذا أُريد بذلك: صياغة أصول النظر فيها، وتطوير مسالك الاستنباط لمعانيها، وتسهيل طرائق استخراج الأحكام منها، حتى يقدر كل من حصّل قسطًا من أدوات النظر فيها الوصول إلى المطلوب الشرعي أو الاقتراب منه.

أما إذا أُريد بتجديد نصوص الشرع من الكتاب والسُّنَّة: الاستغناء عنها اعتمادًا على العقل وتقديمًا له عليها، فهذا مذهبٌ رفضته جماهير الأُمَّة وعلماؤها ومجدِّدوها من أهل السُّنَّة من قديم، حين ظهر المعتزلة يبالغون في تقديم العقل على النصّ، ويطّرحون ما أوصل نصّ الشرع إذا وُجد معنى عقلي مقابل، بل ربما ردّوا نصوص الشرع في مقابل المعنى العقلي.

فالهشاميّة ( 12) منهم أكثروا من هذا الباب يخالفون القرآن بعقولهم، فقالوا:

• إنَّ الله تعالى لا يؤلف بين قلوب المؤمنين، بل هم المؤتلفون باختيارهم، مع أنَّ الله تعالى قال في ذلك صراحة: (مَا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ) ( 13) .

• إنَّ الله تعالى لا يحبِّب الإيمان إلى المؤمنين ولا يزينه في قلوبهم، مع أنه تعالى صرَّح بذلك فقال: (حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ) ( 14) .

• إنَّ الله تعالى لا يطبع، ولا يختم، ولا يسدّ، ولا يجعل شيئًا من ذلك في القلوب، مع أنه عزّ وجلّ يصرِّح بكل ذلك فيقول في الختم: (خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ.. ) ( 15) ، ويقول في الطبع: (بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلًا) (16 ) ، وقال: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ) (17 ) ، وقال: (أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ) ( 18) .

• إنَّ الله تعالى لم يخلق الكافر، لأن الكافر: كفر وإنسان، والله تعالى لا يخلق الكفر، مع أنَّ الله تعالى صرَّح بذلك فقال: (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) ( 19) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت