فهرس الكتاب

الصفحة 23845 من 27345

كما أنّ التجديد لا يمكن أنْ يكون في نصوص الشرع: بتقديم المصلحة المجردة عن الأصل المنقطعة عنه ـ ولا شاهد لها منه تقاس عليه ـ على نص الشرع عند المخالفة والمعارضة، وقد ظَنَّ بعض الناس صحة ذلك، فنادوا به يزعمون أنهم يجدِّدون به الدِّين، بشبهة أنَّ الإسلام يعد المصلحة، وأنه ما جاء إلاَّ لجلبها ودرء المفسدة المقابلة لها، فنشطوا يؤخرون النصوص من أجل المصلحة، ويردونها أخذًا بالمصلحة وتقديمًا لها، وهذا طريقٌ رفضه الناس حين نُصبتْ على مدرجة الشرع، وقد صرَّح بسلوكها الطوفي ( 20) يزعم أنَّ رعاية المصلحة أقوى أدلة الشرع، وأنَّ نصوص الشرع إذا خالفتها وجب تقديم رعاية المصلحة عليها! ليتسع الخرق على الناس، يفتئت على الشرع من هبَّ، ويعطّل نصوصها من دبَّ، كلما أعجزه العلم عن إدراك المراد أو الوصول إلى المطلوب ( 21) . فهذا كله ليس بتجديد مقبول، وليس هو الذي بشَّر به الشرع الأُمَّة ببعث رجالها من أجله.

المطلب الثالث:التجديد والابتداع

وإنَّ الذي بين التجديد والابتداع، هو ما بين الضدّين من تخالف وتضاد وتعاكس، فلا يمكن أنْ يكون التجديد من الابتداع، بل هما ضدّان متعاكسان:

• الابتداع قطع عن الأصل، والتجديد إعادة للأصل وربط به.

• الابتداع اختراع في أصول الدِّين وفروعه بلا دليل، والتجديد إرجاع لأصول الدِّين وربط لفروعه بالدليل.

• الابتداع طمس لحقائق الدِّين ومعالمه، والتجديد إحياء لتلك المعالم بعد طمسه، فأنَّى يجتمعان، وكيف لهما أنْ يلتقيا؟ فلا يمكن أنْ يكون تجديد الدِّين بالابتداع فيه يوما ما.

المطلب الرابع:التجديد بالجديد

ويخطئ الكثيرون حين يظنون أنَّ التجديد لا يكون إلاَّ بإتيان جديد غير مسبوق في تاريخ التديُّن، أو باختراع عبادة يرون أنها تناسب العصر أو الناس أو الحال، أو بإنشاء أوامر جديدة وتعاليم لم يشر إليها نصٌّ أو استدلال، واهمين أنَّ البقاء على كل قديم جمود قاتل، وأنَّ الثبات على الأصول تقليد مذموم، وأنَّ استصحاب الماضي تعصب خاسر، وينهض لذلك بدوافع رافضة للقديم بمجرد كونه قديمًا، وهؤلاء هم الذين سخر منهم الرافعي ـ رحمه الله تعالى ـ حين دخل معركته معهم [تحت راية القرآن] وقال:"إنهم يريدون أنْ يجدِّدوا الدِّين، واللُّغة، والشمس، والقمر". وهؤلاء هم الذين رَدَّ عليهم محمد إقبال حين قال:"إنَّ الكعبة لا تُجَدَّد بجلب حجارة لها من أوربا".

وهم الذين أشار إليهم أحمد شوقي في قصيدته عن الأزهر:

ولو استطاعوا في المجامع أنكروا ** من كل ساعٍ في القديم وهدمه

من مات من آبائهم أو عمِّرا ** وإذا تقدّم للبناية قصّرا (22 )

المبحث الثالث: تجديد التديُّن والالتزام

التديُّن الذي يطلبه الشرع لم يكن يومًا ما ذلك الشكل المتبلِّد على صورة واحدة في كل حين، لا يقدر صاحبه أنْ يتجاوزها اعتقادًا منه أنه عابد لله تعالى على أعلى درجة مما لا يستطيع مثلها أحدٌ غيره. ولم يكن الالتزام المطلوب في شريعة الإسلام تصلُّبًا وجمودًا على حالة واحدة لا تتبدّل، وإنْ كان التبديل مرادًا لها، فذلك كله خروج عن مراد الشارع في التديُّن والالتزام.

وليس التديُّن الذي يطلبه الشرع ـ كذلك ـ صورًا تُلتزم حينًا وتُهمل أحيانًا في تساهل متعمّد، وانحلال عن ملزماته بأدنى الحيل والأسباب والدواعي، فذلك برهانٌ على قلة الرقيب النفسي، وسرعة ذوبان الارتباط، وانعدام استشعار المراقبة لله الرقيب.

لم يكن التديُّن المقصود في شريعة الله تنازعًا بين أهل التساهل المفرِّطين، الذين لا يرعون له حرمة ولا يرون فيه إلزامًا، وبين أهل التشدُّد المتطرّفين، الذين لا يرون فيه فسحة من اختيار، أو تفاوتًا في الطلب، أو تيسيرًا في الأداء، أو رعاية للأحوال من الضعف والقوة، والانشغال والتفرغ، والمرض والصحة، والحاجة والضرورة، والمشقة والكلفة، وغير ذلك مما رعاه الشرع وجعله سببًا للتخفيف على المكلَّفين والتيسير على العابدين.

فهذان الطرفان من أهل التديُّن ليسا مرضيين، وكل منهما تجاوز الحدّ المرغوب المحبوب الذي يجده المستقريء للشرع المحكم. فطرف التساهل مكروه، وطرف التشدُّد مرفوض، والتديُّن الصحيح لا يعرف التساهل في الدِّين ولا التشدُّد فيه.

لا تساهل بل تيسير:

فالتساهل لا يقرّه الإسلام لمن التزم شعائره، بل التساهل شرّ التديُّن، والمتساهل شرّ العُبَّاد، فهو لا يعبِّر إلاَّ عن استهوان المتدين بما يتعبَّد الله به، واستصغار شأن العبادة لله تعالى كما طلبه وأراده جَلَّ شأنه. ولم يكن المتساهل في أي شأن ـ ديني أو دنيوي ـ إلاَّ منبوذًا، مكروهًا، موصومًا بالشر والهوان.

فالتديُّن لا يقبل التساهل في ملزماته ومطلوباته بحال.. ولهذا اشتد وعيد الله عزَّ وجَلَّ على المتساهل المفرِّط في عباداته الذي يستهين بأمرها، ويتهاون في أدائها والالتزام بها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت