فهرس الكتاب

الصفحة 23846 من 27345

• فالمتساهل في صلاته لا يقيمها بأركانها، ولا يتوفر لها بشروطها، ولا يحافظ على أوقاتها، بل يسهو عنها ويضيعها، هذا العابد موعود بالويل والثبور، وإنْ كان مصنَّفًا في المصلين، يقول تعالى: (فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون ) ( 23) .

• والمتساهل في الصوم الواجب، والمفرِّط فيه لا يبالي إنْ أفطر في رمضان، بلا عذر ولا مرض ولا رخصة معلومة؛ مؤاخذٌ ملوم، ففي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُخْصَةٍ وَلاَ مَرَضٍ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وَإِنْ صَامَهُ) ( 24) .

• والتساهل في الحج والإفراط في أدائه والتهاون فيه بلا عذر مانع؛ يعد استقلالًا بالفريضة، واستهانة بالمنسك الركن، وقد جاء في حديث أَبِي أُمَامَةَ رضي الله عنه ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (مَنْ لَمْ يَمْنَعْهُ عَنِ الْحَجِّ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ أَوْ مَرَضٌ حَابِسٌ فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ؛ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا) ( 25) .

فالتساهل مرفوض غير مقبول عند أهل التديُّن البتة.

ولكن! خلط الكثيرون بين ما هو تساهل وبين ما هو تيسير، وحكموا على أقوام ميسِّرين بأنهم قوم يتساهلون في التزامهم وتعبُّدهم، وهم في الحقيقة ميسِّرون.. والتيسير على النفس في الطاعات والعبادات التزامًا في النفس وإفتاءً للغير ليس بمنكر ولا محظور، بل هو مرغوب محبوب مطلوب طلب ندب واستحباب، إنْ لم يكن طلب إلزام وإيجاب!!.

فمن سُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم مما التزم به في خاصته، سُنَّة تأسٍّ وأصل اقتداء، وكان نهجًا ثابتًا في تعبُّده وتديُّنه التيسير على نفسه ما وجد إليه خيارًا، فإنَّ أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ تخبر كما في الصحيحين: (مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم َ بَيْنَ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا أَيْسَرُ مِنَ الآخَرِ إِلاَّ اخْتَارَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا) ( 26) .

وكان أمره صلى الله عليه وسلم لخلفائه في الدعوة والفتوى والعلم التيسير على الناس، يقول لهم كما في حديث أنس رضي الله عنه: (يَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا وَلا تُنَفِّرُوا) ( 27) .

هذا في الدعوة ، وقد أمر بالتيسير كذلك في الفتوى، كما في حديث أبي موسى رضي الله عنه ، قَالَ: (بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمُعَاذًا إِلَى الْيَمَنِ فَقَالَ:(ادْعُوَا النَّاسَ وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا وَيَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا) قَالَ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفْتِنَا فِي شَرَابَيْنِ كُنَّا نَصْنَعُهُمَا بِالْيَمَنِ، الْبِتْعُ: وَهُوَ مِنَ الْعَسَلِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. وَالْمِزْرُ: وَهُوَ مِنَ الذُّرَةِ وَالشَّعِيرِ يُنْبَذُ حَتَّى يَشْتَدَّ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أُعْطِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ بِخَوَاتِمِهِ فَقَالَ: (أَنْهَى عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ أَسْكَرَ عَنِ الصَّلاةِ) ( 28) .

وكذلك يأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنْ يُراعى التيسير ويُنتهج في التعليم كما يُراعى ويُنتهج في الدعوة والفتوى، فيقول كما في حديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ: (عَلِّمُوا، وَيَسِّرُوا وَلا تُعَسِّرُوا، وَإِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْكُتْ) ( 29) .

والقرآن يثبت أنْ مِنْ مراد الله عَزَّ وجَلَّ ومقاصده في تشريع العبادات والشعائر مراعاة التيسير في إقامتها والالتزام بها.

ففي تيسير فريضة الصلاة وتوابعها يصرح تعالى أنه مريد للتيسير ولا يقصد التعسير بحال، فيقول في آخر آية المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) ينبّه في آخرها على مقصد التيسير في التشريع فيقول: (مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ) ( 30) .

وفي تيسير فريضة الصيام يصرح تعالى أنه مريد للتيسير فيها فيقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمْ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) ( 31) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت