وفي تيسير فريضة الحج يصرِّح ربُّ العزة أنه مريد للتيسير كذلك فيقول: (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ …) ( 32) .
وقوله تعالى: (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ) على ما قال الجمهور أي: مِمَّا تيسّر مما يسمّى هَدْيًا ( 33) .
وفي تيسير أمر الدِّين كله يقول تعالى ( هُوَ اجْتَبَاكُمْ، وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ ..) الآية ( 34) .
فالتيسير مقبول ومحبوب ومرغوب، ولا يرادف التساهل لا في المعنى ولا في الحكم، فالتديُّن مطلوب فيه التيسير، ومكروه فيه التساهل، وأهل التديُّن والالتزام لهم التيسير ولا يجوز لهم التساهل.
لا تشدُّد بل استمساك:
وفي المقابل، لا يقرّ الإسلام أهل الالتزام بشعائره وآدابه التشدُّد في التزامهم، إنَّما يطالبهم بالاستمساك بعروة الدين الوثقى تديُّنًا وإيمانًا.
فالتشدُّد تعبير رافض لسماحة الدِّين ويسر التشريع، وقد أرادهما الرب المعبود لدينه وشريعته. وهو كذلك إلزام للنفس بما لم يلزمها الشرع، وسدّ لباب الاختيار فيما يخيّر فيه العبد، إذ يحمل معنى المبالغة في إجهاد النفس وإلزامها، والمغالاة والتجاوز لحدّ المعقول في الأقوال والأفعال ( 35) .
ومع ذلك فالتشدُّد لا يأتي بخير، والمتشدِّدُون ما أكثر ما يغلبون على التزامهم فلا يقدرون على الثبات والاستمرار، ولا على المداومة للطاعة فيما تشدَّدُوا فيه وتعمقوا، فينقلب أكثرهم عن حال التشدُّد إلى حال التساهل، وينحدرون من أعالي الالتزام إلى أسافل الانحلال والانسلاخ، وينقلب على وجهه ليكون من الغاوين.
هذا المعنى نجده في قول النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وهو يقابل بين التيسير والتشدُّد: (إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ) ( 36) .
ولإلغاء منطق التشدُّد من قاموس التعبُّد يرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى التيسير مع السداد والمقاربة، فيقول في رواية النسائي: (إِنَّ هَذَا الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا وَيَسِّرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدَّلْجَةِ) ( 37) .
وهاهو صلى الله عليه وسلم يرى التشدُّد في أحد أصحابه وهو يكثر الركوع والسجود بدرجة يظن من رآه أنه يرائي لا يخلص، فينبّه عليه الصلاة والسلام إلى القصد وعدم المبالغة والمغالاة في العبادة.
• قَالَ بُرَيْدَةَُ الأَسْلَمِيُّ رضي الله عنه: (خَرَجْتُ ذَاتَ يَوْمٍ لِحَاجَةٍ، فَإِذَا أَنَا بِالنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاة وَالسَّلامُ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيَّ، فَأَخَذَ بِيَدِي، فَانْطَلَقْنَا نَمْشِي جَمِيعًا، فَإِذَا نَحْنُ بَيْنَ أَيْدِينَا بِرَجُلٍ يُصَلِّي يُكْثِرُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:(أَتُرَاهُ يُرَائِي؟) فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَتَرَكَ يَدِي مِنْ يَدِهِ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يُصَوِّبُهُمَا وَيَرْفَعُهُمَا، وَيَقُولُ: (عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، عَلَيْكُمْ هَدْيًا قَاصِدًا، فَإِنَّهُ مَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّينَ يَغْلِبْهُ) ( 38) .
• ولم يرض نبي الله صلى الله عليه وسلم التشدُّد من أحد ولو كان هذا الأحد هو أقرب الناس إليه، وإنما ينهى عنه ويرشد إلى الأصوب الأوفق لشرع الله، ولو كان التشديد على النفس محبوبًا لرضيه لزينب رضي الله عنها، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى حَبْلًا مَمْدُودًا بَيْنَ سَارِيَتَيْنِ فَقَالَ: (مَا هَذَا الْحَبْلُ؟) فَقَالُوا: لِزَيْنَبَ تُصَلِّي فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ بِهِ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: (حُلُّوهُ، لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ) ( 39) .
فالتشدُّد في الطاعات والعبادات منبوذ، ومكروه، ومرفوض في الشرع كالتساهل.