فهرس الكتاب

الصفحة 23848 من 27345

ولكنَّ كثيرًا من عوام الأُمَّة المتساهلين، ومَنْ لا علم لهم بحقائق التشريع ومناهجه، وأصحاب الأغراض المنغمسين في الشهوات والمحبوسين في غيابت الشبهات، وفريقًا من الحريصين على الشرف والجاه، والعابدين للعروش والسلطان، يرمون المستمسكين بعروة الدِّين الذين لا يفرِّطون في عروة من عرى الإسلام بالتشدُّد والتنطع، وهم إنما يقيسونهم على حالهم حين أحسنوا الظن بأنفسهم، وهم متساهلون مفرطون في الواجبات والفرائض والأركان يهدمونها ركنًا ركنًا، ولا شكّ أنَّ من كان هذا حاله فسيرى المتمسك الملتزم متشددًا متنطعًا.

هؤلاء يجب أنْ يتنزهوا عن التساهل في الالتزام والطاعة، ويسارعوا دون تباطؤ أو تراخ إلى الالتزام والاستمساك بكل مطلوب ملزم، من غير تجاوز للحدّ، وانطلاق لطرف الغلو والتنطع الذي يعني التشدُّد في غير مواضع التشديد. فإنَّ التديُّن آن له أنْ يُجدَّد بتزيينه بالتيسير والاستمساك، ونفي خبث التشدُّد والتساهل عنه، وجزى الله شيخنا أحمد علي الإمام ـ حفظه الله تعالى ـ طالما ردَّد لترسيخ هذا المعنى العميق مقولته الذهبية: [نحن قوم لا نعرف التساهل في الدِّين ولكن نعرف التيسير فيه، ولا نعرف التشدُّد في الدِّين ولكن نعرف الاستمساك فيه] .

الاختلال في الالتزام والتديُّن:

إنَّ الكثيرين ممن راقهم التزامهم، وعدَّوا أنفسهم أكثر العباد تديُّنًا، يختل تديُّنهم والتزامهم في أحوال كثيرة، فلا يستطيعون أنْ يرتبوا ما التزموه من عبادات أو غيرها، بل يرتبك حالهم في كل مرة فيُقدَّم ما حقه التأخير، ويؤَخَّر ما شأنه التقديم. ينكر المباح على غيره ويترك الواجبات، ويأبى أنْ يأتي المستحب ولكنه يأتي المحرمات، ولا يرى التخيير في الجائز ثم يغشى المكروهات، وهكذا.

• فإنَّ منهم مَنْ لا يفرِّط بحال عن إدراك الجماعة في المسجد، يُعَدُّ له كل عدة، ويستعد مع النداء أو قبله، بل يصرّ إصرارًا شديدًا على الصلاة في الصف الأول ما حيي، وكل ذلك لا يتعدى الاستحباب والندب ـ وهو طيّب مطلوب محبوب وغاية في الالتزام والطاعة ـ ولكنه مع ذلك يؤذي جاره، وهو محرَّم عليه غير جائز له.

• ومنهم مَنْ يُدخل الليل في النهار، ويستظهر الأحاديث والآثار برواتها، يجتهد في الإحاطة بأحوال رجال الأسانيد، ويعرف عنهم تفاصيل حياتهم، وكونهم ثقات أو ضعافًا، ولا يملّ من ضبط متون السنن، وتجده يلحن في القرآن لا يجوِّد آية من سورة.

• ومنهم من يستكثر الأحاديث ويفني عمره في حفظها واستظهارها، ثم يستقل فقهها ولا يكاد يفقه جملة مما يحفظ ويستظهر، وإنْ قيل برّر فقال:"الفقه أقوال الرجال، والحديث قول الرسول صلى الله عليه وسلم ، فلا أنشغل بقول الرجال عن قول الرسول"، ومن بعد ذلك تراه يسيء فهم ما يحفظه، ويتجرأ على أنْ يفتي بغير علم ولا ملكة اجتهاد، وينازع الأئمة الفقهاء ويستصدر الأحكام بهواه، إذ هو ليس بفقيه يتملك أدوات الاجتهاد ليستعين بها.

ومما ذكره العلماء من إساءة فهم الأحاديث ممن اشتغل بجمعها واستظهارها، واستغرق في ذلك عمره:

[1] ما ذكره ابن الجوزي من أنَّ بعض المحدثين روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى أنْ يسقي الرجل ماءه زرع غيره، فقال جماعة ممن حضر: قد كنَّا إذا فضل عنا ماء في بساتيننا؛ سرَّحناه إلى جيراننا، ونحن نستغفر الله تعالى.

قال ابن الجوزي معلِّقًا على ذلك:"فما فهم القارئ ولا السامع ولا شعروا أنَّ المراد وطء الحبالى من السبايا" ( 40) .

والحديث أخرجه أبو داود في سننه عَنْ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَامَ فِينَا خَطِيبًا قَالَ: أَمَا إِنِّي لا أَقُولُ لَكُمْ إِلاَِّ مَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ يَوْمَ حُنَيْنٍ، قَالَ: (لا يَحِلُّ لامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ يَسْقِيَ مَاءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ، يَعْنِي: إِتْيَانَ الْحَبَالَى) ( 41) . وهذا تفسير الراوي، وهو واضح في أنَّ المراد إتيان الحبالى من السبايا.

[2] ما ذكره الخطابي ـ رحمه الله تعالى ـ، قال:"كان بعض مشايخنا يروي الحديث أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحلق قبل الصلاة يوم الجمعة، بإسكان اللام، قال:"وأخبرني أنه بقي أربعين سنة لا يحلق رأسه قبل الصلاة. قال: فقلت له: إنما هو الحلق جمع حلقة، وإنما كره الاجتماع قبل الصلاة للعلم والمذاكرة، وأمر أنْ يشتغل بالصلاة وينصت للخطبة. قال: قد فرّجت عليّ"وكان من الصالحين" ( 42) .

والحديث أخرجه ابن ماجة في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أنْ يُحلَّق في المسجد يوم الجمعة قبل الصلاة" ( 43) ."

وظاهر الخبر أنَّ المراد التحلُّق لا الحلْق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت