[3] ما أخرجه ابن عبد البر بسنده عن عبيد الله بن عمرو أنه قال:"كنت في مجلس الأعمش فجاءه رجل فسأله عن مسألة فلم يجبه فيها، ونظر فإذا أبو حنيفة، فقال: يا نعمان! قل فيها، قال: القول فيها كذا، قال: من أين؟ قال: من حديث حدثتناه، فقال الأعمش: نحن الصيادلة وأنتم الأطباء" ( 44) .
فعن أمثال هؤلاء كان يحيى بن يمان يقول:"يكتب أحدهم الحديث ولا يتفهّم ولا يتدبّر ، فإذا سئل أحدهم عن مسألة جلس كأنه مكاتَبٌ" ( 45) .
ويقول ابن الجوزي في"تلبيس إبليس"عن هؤلاء وأمثالهم:"إنّ ( 46) قومًا استغرقوا أعمارهم في سماع الحديث والرحلة فيه، وجمع الطرق الكثيرة، وطلب الأسانيد العالية والمتون الغريبة، وهؤلاء على قسمين: قسم قصدوا حفظ الشرع بمعرفة صحيح الحديث من سقيمه، وهم مشكورون على هذا القصد، إلاّ أنَّ إبليس يلبس عليهم بأنْ يشغلهم بهذا عما هو فرض عين من معرفة ما يجب عليهم، والاجتهاد في أداء اللازم والتفقه في الحديث، فإنْ قال قائل: فقد فعل هذا خلق كثير من السلف، كيحيى بن معين، وابن المديني، والبخاري، ومسلم، فالجواب: أنَّ أولئك جمعوا بين معرفة المهم من أمور الدِّين والفقه فيه، وبين ما طلبوا من الحديث، وأعانهم على ذلك قصر الإسناد وقلة الحديث، فاتسع زمانهم للأمرين، فأما في هذا الزمان؛ فإنَّ طرق الحديث طالت والتصانيف فيه اتسعت، وما في الكتاب في تلك الكتب، وإنما الطرق تختلف، فقلَّ أنْ يمكن أحدٌ أنْ يجمع بين الأمرين، فترى المحدّث يكتب ويسمع خمسين سنة، ويجمع الكتب ولا يدري ما فيها، ولو وقعت له حادثة في صلاته لافتقر إلى بعض أحداث المتفقهة الذين يترددون إليه لسماع الحديث منه، وبهؤلاء تمكن الطاعنون على المحدثين فقالوا: زوامل أسفار لا يدرون ما معهم. فإنْ أفلح أحدهم ونظر في حديثه فربما عمل بحديث منسوخ، وربما فهم من الحديث ما يفهم العامي الجاهل وعمل بذلك، وهو ليس بالمراد من الحديث... قال: وقد رأينا في زماننا من يجمع الكتب، منهم ويكثر السماع، ولا يفهم ما حصّل، ومنهم من لا يحفظ القرآن، ولا يعرف أركان الصلاة، فتشاغل هؤلاء على زعمهم بفروض الكفاية عن فروض الأعيان، وإيثار ما ليس بمهم على المهم من تلبيس إبليس" ( 47) .
وفي هذا أيضًا يقول ابن عبد البر:"أما طلب الحديث على ما يطلبه كثير من أهل عصرنا اليوم، دون تفقه فيه ولا تدبُّر لمعانيه؛ فمكروه عند جماعة أهل العلم" ( 48) .
وإنْ كان هذا في عصرهم الزاهر؛ فيكون أشدّ كراهة طلبه على ما يفعله أهل عصرنا اليوم، لتفشي الجهالة، وضعف الفهوم، واختلال الأولويات، وما يجب تقديمه وما يستحق تأخيره.
ومن مظاهر اختلال التديُّن في كثير من أهله، أنَّ بعضهم لا يفرِّط في المندوبات، ولا يسهو عن المستحبات لا توقيتًا ولا إكثارًا، ومع ذلك يواقع المحرمات ويرتكب الكبائر ولا يبالي!!.
فهذا رجل عابد متنسك، حين تراه يقوم الليل كأحسن الخاشعين، ويتلو القرآن في جوف الليل كأحسن العابدين، لا تظن فيه سُوءًا ولا تصدق أنه يرتكب إثمًا من الصغائر بلَهَ الكبائر، ولكنه مع أنه قَوَّام بالليل يصلي ويتلو؛ لا يتورع عن ارتكاب الكبائر، ولا يمسك يده عن سرقة أموال الناس، ويسيئ إلى من يحسن إليه، فكيف يستقيم التديُّن لأمثال هذا؟.
روى مالك في الموطأ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ:"أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ قَدْ ظَلَمَهُ، فَكَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: وَأَبِيكَ مَا لَيْلُكَ بِلَيْلِ سَارِقٍ، ثُمَّ إِنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ، فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الأَقْطَعَ جَاءَهُ بِهِ فَاعْتَرَفَ بِهِ الأَقْطَعُ أَوْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ:"وَاللَّهِ لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عِنْدِي عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ" ( 49) ."
ومن مظاهر اختلال الدِّين: الاندفاع بلا ارتياب في ارتكاب المحرمات، مع التردد في العمل بالمعفوات، والتفريط في الأمر العظيم الخطير، مع التحرّج والتوقّف في الأمر اليسير.
فانظر إلى هؤلاء الذين ما تورَّعوا ولا توقَّفوا ولا تحرَّجوا عن قتل الحسين بن علي ـ رضي الله عنهما ـ ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانة الجنَّة، ثم تراهم يتحرّجون ويتوقّفون في قتل الذباب، وإصابة الثوب بدم البعوض!!. فأي التزام هذا وأي تديُّن يختل لهذه الدرجة؟