أخرج البخاري وغيره عَنِ ابْنِ أَبِي نُعْيمٍ قَالَ:"كُنْتُ شَاهِدًا لابْنِ عُمَرَ وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، فَقَالَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ. قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَسَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: (هُمَا ـ أي الحسن والحسين ـ رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا) ( 50) ."
وبعض أهل السلطان لا يغفر لمن يسبه أدنى سبٍّ، ولا يعفو عمن يتكلم فيه غير الذي يرضاه، بل يؤاخذه بأدنى شبهة متهمًا إيّاه بالخروج عليه، والبغي على سلطانه، والسعي للإطاحة بحكمه بغيًا، والتمرد على سياسته، والخيانة له ولدولته.. أما إذا سُبَّ الله عز وجل علنًا!! أو سُبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم !! أو سُبّ دين الله وشرعه، وسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم !! فلا شيء، لأن الناس أحرار، وحرية التعبير مكفولة لكل أحد، وقد قيل بإحسان في مثل ذلك:
يُقادُ للسجن مَنْ سَبَّ الزَّعيمَ ** ومَنْ سَبَّ الإلهَ فإنَّ النَّاس أحرارُ
خاتمة:
بحمد الله تعالى وكرمه وتوفيقه كان استعراض ما أردنا عرضه لتبيُّن مواضع الخلل في تديُّن كثير منا، وتشخيص علل المتدينين في سلوكهم التعبدي، وأحوالهم في ترتيب أولويات العبادة وفي أعظم ما يرضي الإله الكريم جلّ وعلا.
ولقد توصّل البحث إلى بعض غاياته من مقاصد إجرائه، وأهداف كتابته، ومرامي دراسته، ومما توصّل إليه:
[1] أنَّ التجديد لم يكن يومًا ما في أصل وضعه اللُّغوي مرادًا به التبديد، وانقطاع الأمر الذي يراد به التجديد عن أصوله ومنابعه، بل التجديد حينما اصطلح عليه الشرع كان مرادًا منه على الدوام طلب جِدَّة الشيء ليصير جديدًا كما كان أول الأمر.
[2] كثير من المنتسبين إلى أهل الفكر أخطأوا فهم التجديد فحملوه إلى معاني التبديد، وجعلوه يدلُّ على التخلّي عن ملزمات الدِّين، والانقطاع عن روابط التواصل في الأُمَّة المحمدية الحاملة لدين الحق والرسالة الخاتمة في العالمين، فأساءوا إلى الدِّين وهم يحسبون أنهم يحسنون إليه، فكان جهدهم هباءً، وسعيهم ضلالًا، وقولهم زورًا وبهتانًا، غير أنَّ عدول الأُمَّة من علمائها نفوا عن التجديد سوء تأويلهم، وضلال فكرهم.
فلا يعني التجديد تغيير الحقائق الدِّين، ولا يعني الإتيان على نصوص الشرع بالتحريف والوضع، ولا يعني الإتيان في الدِّين بجديد ولا يعني أبدًا الابتداع فيه.
[3] من مظاهر الخلل في تديُّن كثيرٍ من النَّاس التساهل في الدِّين أو التشدُّد فيه، وكلاهما نقيض التجديد، ولقد أكثر المتساهلون في الإساءة للدِّين، وغالى المتشدِّدُون في حمل أنفسهم وغيرهم على حرف التديُّن، فكان حال الفريقين إلى حاجة بيّنة للتجديد.
والله تعالى أسأله القبول والرضا والتوفيق إلى خير دينه، والبعث لهذه الأُمَّة من يُجَدِّد لها دينها.
وصلى الله على رسولنا الحبيب، وعلى آله وصحبه، والتابعين لهم بإحسان، ورضي الله عن مجدِّدي الأُمَّة فجزاهم الله عنا خير الجزاء.
.. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين ..
قائمة بمراجع البحث
[1] النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير، تحقيق طاهر الزاوي ومحمود الطناحي، دار إحياء الكتب العربية، بدون.
[2] لسان العرب: لابن منظور الإفريقي، دار صادر، توزيع مكتبة الرشد.
[3] مفهوم تجديد الدِّين: بسطامي محمد سعيد، دار الدعوة الكويت، ط/1، 1405هـ ـ 1984م.
[4] سنن أبي داود بشرح عون المعبود: للآبادي، دار الفكر، 1979م.
[5] موجز تاريخ تجديد الدين: أبو الأعلى المودودي، ترجمه إلى العربية محمد كاظم سباق، دار الفكر، ط/3، 1387هـ ـ 1968م.
[6] مسند الإمام أحمد بن حنبل الشيباني: دار صادر ـ بدون.
[7] صحيح الإمام البخاري بشرح فتح الباري: تحقيق وترقيم محمد فؤاد عبد الباقي ومحب الدين الخطيب، دار الريان للتراث،
ط/1، 1407هـ ـ 1986م.
[8] مناهل العرفان: لمحمد عبد العظيم الزرقاني، خرَّج أحاديثه أحمد شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، ط/1، 1409هـ، 1988م.
[9] الملل والنحل: لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، طبعة 1387هـ، 1967م.
[10] ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية: د. محمد سعيد رمضان البوطي مؤسسة الرسالة، ط/4، 1402هـ ـ 1982م.
[11] المصلحة في الشريعة الإسلامية: نجم الدين الطوفي
ود. مصطفى زيد، دار الفكر العربي.
[12] فقه الدعوة ملامح وآفاق: عمر عبيد حسنة، سلسلة كتاب الأُمَّة ـ العدد [19] .
[13] تفسير القرآن العظيم: للحافظ عماد الدين بن كثير، دار الأندلس، حائل، ومكتبة العلوم والحكم، المدينة المنورة، 1413هـ، 1993م.
[14] موطأ الإمام مالك بشرح الزرقاني: دار الفكر، بيروت، (بدون) .