فهرس الكتاب

الصفحة 20387 من 27345

سنة الله في متبع هداه ، ودليلها:

قلنا: إن سنة الله في متبع هداه - أي القرآن - هو تمتعه بطيب العيش في الدنيا ، ودليل هذه السنة قوله تعالى: ( فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى) . قال ابن عباس: (لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة) ، والضلال في الدنيا الانحراف عن الإسلام ، والشقاء في الآخرة العقاب فيها.

قال الزمخشري في قوله تعالى: ( فلا يضل ولا يشقى) ، والمعنى أن الشقاء في الآخرة هو عقاب من ضل في الدنيا عن طريق الدين فمن اتبع كتاب الله وامتثل أوامره وانتهى عن نواهيه نجا من الضلال ومن عقابه). ولكن نظم الآية وسياقها يتسعان للقول بأن الشقاء المنتفي عن متبع القرآن يشمل انتفاءه عنه في الدنيا والآخرة ، وهذا التفسير هو أحد الوجوه في تفسير قوله تعالى: (فلا يضل ولا يشقى) والذي ذكره الإمام الرازي في تفسيره لهذه الآية ، وأورد على هذا الوجه من التفسير سؤالًا فقال: ( الوجه الثالث - أي في تفسيرها - لا يضل ولا يشقى في الدنيا. فإن قيل: المتبع لهدى الله قد يلحقه الشقاء في الدنيا. قلنا: المراد لا يضل في الدين ولا يشقى بسبب الدين ، فإن حصل الشقاء بسبب آخر فلا بأس) .

والواقع أن متبع هدى الله - أي القرآن الكريم - يحيا حياة طيبة كما وعد الله تعالى وكما هو مقتضى سنته ، قال تعالى: ( من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعلمون) ، والشأن بمتبع هدى الله - القرآن الكريم - أنه مؤمن ويعمل الصالحات وإلا لما كان متبعًا للقرآن ، والحياة الطيبة التي يحياها لا يشقى فيها قطعًا ، لأنها تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت كما قال ابن كثير في تفسيره. ولأن الشقاء ينافي الحياة الطيبة التي يتمتع بها متبع القرآن ، فالشقاء إذن منفي عنه في الدنيا ، كما أن الضلال منفي عنه في الدنيا. ولأن متبع هدى الله همه مرضاة الله فهو قانع بما قسمه الله له في الدنيا غير متسخط على ذلك ، لأنه سعيد بما أنعم الله عليه من نعمة الدين ، فهو في عيش طيب رغيد ، لأن تطلعه - بعد أن أنعم الله عليه بالإسلام - إلى ما عند الله لا إلى الدنيا ومتاعها الزائل ، فهو لا يحرص على تحصيله وإن كان لا يرفضه إذا جاءه ولا يأسف إذا فاته فهو في طيب عيش وحياة طيبة قطعًا.

سنة الله في المعرض عن هداه ودليلها:

وأما سنة الله في المعرض عن هداه ، وهي عيشة الضنك ، كما قلنا ، فهذه السنة ودليلها في قوله تعالى: (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا) إلخ ، وذكر الله هو قرآنه أو دينه الإسلام ، والإعراض عنه يعني تركه وعدم اتباعه ، وابتغاء الهدى من غيره. قال ابن كثير رحمه الله تعالى: ( ومن أعرض عن ذكري) أي خالف أمري وما أنزلته على رسولي وأعرض عنه وتناساه وأخذ من غيره هداه.

وهذا المعرض عن هدى الله له المعيشة الضنك أي الضيقة في الدنيا ، لأن الضنك أصله الضيق والشدة. ووجه ضيق معيشته أنه شديد الحرص على الدنيا متهالك عليها وعلى الزيادة منها خائف من انتقاصها ، لا طمأنينة له ولا انشراح لصدره ، بل صدره ضيق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ولبس ما شاء وأكل ما شاء وسكن حيث شاء فإن قلبه ما لم يعمره هدى الله لا يحس بسعادة ولا بطيب العيش. وهذا في الدنيا.

أما في الآخرة فقد مضت سنة الله في الجزاء أنه سيصيبه عقاب المعرضين عن هداه ، ومن هذا العقاب حشره يوم القيامة أعمى لعماه عن آيات الله وهداه ، قال تعالى مخبرًا عن هذا الجزاء وسببه: ( ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكًا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمي وقد كنت بصيرًا. قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى) ، والمعنى أن هذا المعرض عن هدى الله يحشر يوم القيامة أعمى فيقول: ( رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرًا) أي في الدنيا فيقول الله تعالى له: ( كذلك أتتك آياتنا فنسيتها) أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك فأنت قد عميت عنها لأن من عمي عن شيء نسيه وتركه ( وكذلك اليوم تنسى) أي تترك في العمى كما كنت أعمى عن آيات الله ، جزاء وفاقًا لأن الجزاء من جنس العمل.

وهذا العقاب الذي ينتظر المعرض عن هدى الله هو أشد وأبقى من عذاب الدنيا. وسيصيب أيضًا المسرفين المكذبين بآيات الله ما أصاب المعرضين عن هدى الله من العيش الضنك في الدنيا والعذاب في الآخرة لقوله تعالى: ( وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى) .

ومن يعرض عن هدى الله يقيض له شيطانًا:

والمعرض عن هدى الله ، أي القرآن ، يقيض الله له شيطانًا يصاحبه ولا يفارقه ، يزين له عمل الشر يصده عن سبيل الحق ، ويحسب أنه على هدى وصواب ، وبهذا جرت سنة الله في المعرضين عن هداه قال تعالى: ( ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانًا فهو له قرين. وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت