قال وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء وأسر جماعة من أولاد الأنبياء وخرب بيت المقدس بعدما كان معمورًا بالعباد والزهاد والأحبار والأنبياء، فصار خاويًا على عروشه واهي البناء، واختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة، فقيل: ثمانمائة ألف، وقيل: ألف ألف، وقيل: بلغت القتلى ألفي ألف نفس"وإنا لله وإنا إليه راجعون"ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يومًا.
يقول: وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله أعلم"فإنا لله وإنا إليه راجعون"فكان الرجل يستدعى من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه وجواريه ويذهب به إلى حفيرة الخلال تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه, وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة وقتل الخطباء والمؤذنون والأئمة وحملة القرآن وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد.
ثم قال نقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يومًا صارت بغداد خاوية على عروشها ليست فيها أحد إلا الشاذ من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد وتغير الهواء فحصل بسببهم الوباء الشديد، حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغيير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الوباء والغلاء والفناء والطعن والطاعون"فإنا لله وإنا إليه راجعون"ولما نوديَ بغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنا والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن فاتهم من القتلى واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى الله الذي لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
هذه مقتطفات مما حكاه الحافظ أبن كثير رحمه الله حول ما أصاب المسلمين في غزو بغداد, هذه المآسي وقعت في بغداد حتى سيطر على المسلمين اليأس وشعروا أن التتار قوة لا تهزم, ثم استفاقت الأمة بعد ذلك وقاتلوا التتار وهزموهم وعادت الأمة إلى مجدها ونصرها.
إذن هذه النماذج للأمة التي استفاقت بعد الردة, الأمة التي استفاقت بعد غزو الصليبيين, الأمة التي استفاقت بعد مجازر التتار وغزوهم، وهي قادرة بإذن الله أن تستفيق وأن تنتصر، وقراءة التاريخ تعطينا الدرس والعبرة لكن اليائسين لا يعتبرون، والنصر لا يكتب لليائس، والتغيير لا يمكن أن يتم على أيدي اليائسين.
اللهم إنا نعوذ بك من أن نيأس من روحك ورحمتك إنك سميع مجيب.