أولها: حسن القول المعجِب، الذي يروق ويكون له وقع في القلوب ?وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ? [المنافقون:4] .
وثانيها: توسيط الله بجعله شاهدًا على هذا القول، وموثقًا له، وهذا من أعظم الجناية على الله عز وجل ، حيث يظنون أن الله لا يعلم سرهم ونجواهم ، وأنه تعالى محيط بهم وبعملهم.
وثالثها: المهارة في الجدل ، وقوة الإقناع لقمع كل معارضة تقف أمام هذا المنافق أو ذاك.
إن هذا النوع من المنافقين الذين بين الله لنا خطرهم يوجدون في كل زمان ومكان، يلبس أهله ألوانًا من الإيهام والتضليل, بعضهم يدعي عملًا لخير الوطن والمواطن ، وبعضهم يتبجح بإصلاح البلاد والإخلاص للدين القيم وقد يكثر من شتم اليهود والنصارى، وهم في باطن الأمر يوالونهم وينفذون مخططاتهم وبرامجهم ويتآمرون على أمتهم وأوطانهم.. ولقد تفاقم شر هؤلاء في هذا الزمن وعظم خطرهم وأثرهم لامتلاكهم وسائل الخداع والتضليل الإعلامي.
إن الجماهير كثير ما تخدع بأطروحات المنافقين الذين يحسنون القول ويسيئون العمل . إن المنافقين يحاولون إقناع كل الفرق, يتحدثون مع كل فريق بما يروق له ويعجبه، فنجد المنافق يتكلم مع بعض الناس بالأنظمة الغربية والدساتير الديمقراطية لمعرفته بميولهم إليها.
ويتكلم مع بعض الناس بأحكام الشريعة ونصوص القرآن لاعتقاده أن هذا ينخدع بالحديث عن هذا الجانب وهكذا يحاول إقناع كل فريق بما يعجبه من الكلام ويجعل الله واسطة على صدق ما يقول، إنهم يتدثرون بالإيمان والحلف للتستر على حقيقتهم الإجرامية ونواياهم العدوانية وصدق الله حيث قال فيهم: ?وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ? [التوبة:107] .
إن من أخطر ما يقوم به المنافقون في أمة الإسلام هو خداعها وتضليلها وترويج الفساد والانحراف بأساليب ووسائل عديدة من الكذب والدجل والتشدق والتفاصح ولهذا فقد تخوف الرسول - صلى الله عليه وسلم - على أمته من هؤلاء المنافقين الذين يخدعون الناس بحديثهم وحسن طرحهم وجدالهم فقال - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه الإمام أحمد والطبراني وغيرهما:"إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان".
ثم تأمل أيها المؤمن إلى هؤلاء المنافقين الذين يحسنون الأقوال ويغشون ويخادعون الأمة تأمل وانظر إلى أعمالهم حين تؤول إليهم مقاليد الأمور تجد مصداق قول الله تعالى: ?وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ? [البقرة:205] . إنهم ينشرون الظلم والمظالم والموبقات والجرائم. يعطلون أحكام الله ويمنعون حقوقه ، ويكثرون من الضرائب والمظالم ويسنون القوانين والأنظمة المخالفة لدين الله ولواقع البلاد ومصالحها، وقد سئل الإمام مجاهد أحد أئمة التفسير رحمه الله عن قوله تعالى: ?وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ ? [البقرة:205] ، قال: يلي في الأرض فيعمل فيها بالعدوان والظلم ، فيحبس الله بذلك القطر من السماء، فهلك بحبس القطر الحرث والنسل. ثم قرأ قول الله: ?ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ? [الروم:41] ، لقد أفسد المنافقون حياة المسلمين حسيًا ومعنويًا ونشروا في الأرض أنواع المفاسد الرامية إلى تعطيل الدين وتهميشه من حياة الناس ثم إفساد أخلاقهم، وفق برامج محددة عبر وسائل الإعلام والتوجيه وإنشاء منظمات لإفساد المرأة والمجتمع وإفساد الحياة الإنسانية في كافة جوانبها.
اجعل أيها المسلم هذه الآيات الكريمات نصب عينيك دائمًا وفي مخيلتك حتى لا تقع فريسة الدجل والتضليل وحتى لا يستخف بعقلك المنافقون، وكن على حذر دائم فهم أعداءك المتربصين بك، يتحينون الفرص للانقضاض عليك وعلى أمتك ودينك.
الخطبة الثانية
هناك قضايا ومستجدات برزت خلال هذا الأسبوع المنصرم فهناك المحتفلون بميلاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - كلامًا، والمخالفون له - صلى الله عليه وسلم - عملًا ونظامًا العاملون لهدم شريعته نقضًا وإقدامًا، الناكصون عن تنفيذ أحكام الله خوفًا وإحجامًا.
نقول لهؤلاء على رسلكم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضًا، ولا تتوقعوا السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة مع استمرار العصيان والمخالفة فإن الله تعالى يقول: ?...فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ? [النور:63] .