-1- أعطي صلاح الدين للصليبيين مهلة طويلة للخروج من بيت المقدس مدتها أربعون يومًا, ولهم الحق أن يحملوا معهم ما يشاءون من أموالهم وأملاكهم (عدا السلاح والخيل) . وسمح لهم أن يبيعوا ما لا يمكنهم حمله من أمتعتهم, وذخائرهم, وأموالهم, وعقاراتهم.
-2- علي كل صليبي يغادر بيت المقدس أن يدفع مبلغًا زهيدًا قدره عشرة دنانير للرجل, وخمسة للمرأة, وديناران للطفل.
-3- أمّن نساء ملوك الفرنجة وأمراءهم, وسمح لهن بالخروج, ومعهن من الخدم والحشم, والعبيد, والجواري, والأموال, والجواهر النفيسة الكثير.. والكثير.
-4- أطلق ملكة القدس , ومعها خدمها, وحشمها, وأموالها, وكان زوجها يحكم نيابة عنها, وأسره صلاح الدين , وحبسه بقلعة نابلس , فاستأذنت صلاح الدين في المسير إلي زوجها هناك, فأذن لها , وأقامت عنده.
-5- كان صلاح الدين قد قتل «أرناط» (رينو دي شاتيون) بيده بعد أسره, لأنه خان الميثاق الذي عقده معه, وقام بقتل أسري المسلمين, وهدد بالزحف إلي مدينة الرسول صلي الله عليه وسلم, ونبش قبره. فأتته زوجته, فشفعت في ولد لها مأسور, فوافق صلاح الدين علي إطلاقه, بشرط أن يسلم له الصليبيون قلعة «الكرك» , فسارت إلي الكرك , ومعها أموالها, وعبيدها, وحشمها. ولكن الفرنجة رفضوا طلبها.
-6- سمح صلاح الدين بخروج البطرك الأكبر, ومعه من الأموال والمتاع ما يصعب وصفه وإحصاؤه. وأشار عليه بعض قواده أن يأخذ ما معه ليقوًّي به المسلمين, فرفض, وقال «لا أغدر به أبدا» . ولم يأخذ منه إلا عشرة دنانير, كأي واحد من عامة الصليبيين.
-7- وخوفًا من قُطّاع الطرق علي سلامة المغادرين, أرسل صلاح الدين معهم قوة من جيش المسلمين تحميهم إلي أن يصلوا إلي مدينة صور. وللأسف خانوا وغدروا, وانضموا إلي قوات الصليبيين بها, وقاتلوا معهم جيش صلاح الذي حاصر المدينة بعد ذلك وعجز عن إسقاطها.
-8- أما النصاري من أهل القدس فسمح لهم صلاح الدين بالبقاء في المدينة, ودفع الجزية.
التطهير00والتعمير
وبعد هذا الخروج الكبير باشر صلاح الدين بنفسه إعادة المدينة المقدسة إلي طهرها, ونقائها, وعمارها, فأمر - كما يقول ابن الأثير - «بتطهير المسجد والصخرة من الأقذار والأنجاس» وأزال المساكن والمخازن والمداحات التي بناها الفرنجة غربي الأقصي, وعلي مساحات من حرمه. ولما كان الجمعة الأخرى (4 من شعبان 583) صلي فيه المسلمون الجمعة, ومعهم صلاح الدين, وصلي في قبة الصخرة.. ثم رتب فيه خطيبًا وإمامًا برسم الصلوات الخمس, وأمر بإحضار المنبر الذي كان نور الدين محمود قد أمر بصنعه من عشرين عامًا للمسجد, ومات دون أن يتحقق أمله في نقله إليه. وأمر ببذل أقصي الجهود في ترصيف المسجد, وتحسينه, وتجميله وعمارته, واستخدم في ذلك الرخام الفاخر, وأظهر الصخرة (وكان الفرنجة قد غطوها بالرخام) , وأزال من فوقها الصليب الذهبي الضخم, ووضع هلالا هائلا مكانه. وأقام ببيت المقدس إلي الخامس والعشرين من شعبان , يرتب أمور البلد وأحواله, وأمر ببناء الرّبط والمدارس قبل أن يغادر البلدة المقدسة لمواصلة الجهاد, وتحرير بقية المدن والقري التي احتلها الصليبيون من عشرات السنين.إنها كلمة التاريخ00
هذه كانت كلمة التاريخ وبيانه البليغ الواقعي الحاسم لأنه لا يشوبه التزوير والتزييف. وليرجع القارئ إلي صورة القدس تحت وطأة العدوان الصليبي, وصورة القدس بعد أن استعادها المسلمون ليتبين الفوارق الهائلة بين حضارة قامت علي التخريب والتدمير, وحضارة عاشت للتعمير والتنوير