فهرس الكتاب

الصفحة 17818 من 27345

2-وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلامًا، لابُدّ من الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة كما يقرر القرآن الكريم .والتلطّفُ في الحديث والحُسْنُ في المعاملة يجعل العدو صديقًا والمبغضَ محبًا . ألم يقل الشاعر الذكي:

أحسِنْ إلى الناس تستعبدْ قلوبَهُمُ فطالما استعبدَ الإنسانَ إحسانُ

وقد كان القدوة الأول نبينا صلى الله عليه وسلم المثال الناصع في الرحمة والماثة وروعة التصرف فمدحه الله تعالى"فبما رحمة من الله لنتَ لهم ، ولو كنتَ فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك ، فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر".

إني لأعلم أن الداعية هو الذي يبدأ الحديث ، ويخاطب الناس ، ويتقرب إليهم ناصحًا رفيقًا ، فكيف نفهم هنا بدء الجاهلين الحديث ؟"وإذا خاطبهم الجاهلون .."إن هذا تنويه إلى أكثر من أمر دقيق يجب ملاحظته والترتيب له:

1-أن على الداعية أن يتوقع الردّ السلبي عليه ابتداءً وقبل أن يدعو الناس فللجاهل بدَوات وتصرفات عفوية غير مدروسة تدل على النزق والطيش .

2-أن الصبر على الناس يؤتي بثماره المرجُوّة ، وكل أمر وإن كان سهلًا فله استحقاقات لا بد من دفعها والتأني في تناولها .

3-أن ينأى الداعية عن ردّ الفعل كي يكون المتحكم بزمام الامر ، القادر على تسيير دفّته .

4-وأن استيعاب المدعوّين هو المقصود بكلمة"قالوا سلامًا".

إن تحمل الآخرين والبعد عن ردّة الفعل تجعل الداعية ممسكًا بخيوط الحديث ، ويترك مجالًا لإعادة الكرة والحفاظ على التواصل . أما التسرّع فيقطع الخيوط أولًا وينزل بمستوى الداعية ثانيًا ، ويجرئ الآخرين عليه والسخرية منه ثالثاُ . وقد نبهنا القرآن الكريم مرات عديدة إلى الصب في دعوة الناس ومخاطبتهم"من ذلك ما قاله إبراهين عليه السلام لوالده الذي هدده بالرجم والعذاب إن خالفه"قال سلام عليك ، سأستغفر لك ربي ، إنه كان بي حفيًّا"ومنها أمر الله تعالى لنبيه الكريم محمد عليه الصلاة والسلام"فاصفح عنهم وقل سلام ، فسوف يعلمون"و في سورة ياسين نجد النصيحة الغالية كذلك"سلامٌ قولًا من رب رحيم"وفي سورة القصص نجد التعالي عن الخصام واللغو"وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه ، وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم ، لا نبتغي الجاهلين"."

3-والذين يبيتون لربهم سُجَّدًا وقيامًا، الأصل في البيات أن يدركني الليل أنمْتً أم لم أنمْ .

قال زهيربن أبي سُلمى في ذلك:

فبتنا قياماُ عند رأس جوادنا يزاولنا عن نفسه ونزاوله

فمن الناس من ينام ملء جفنيه الليل كله ، ومنهم من يسهر في اللعب واللهو، ومنهم - وهؤلاء قليل - مَنْ يعبدون الله تعالى ويكثرون من الصلاة والاستغفار"كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون ، وبالأسحار هم يستغفرون"وهؤلاء هم الأتقياء الأولياء:

امنع جفونك أن تذوق منامًا واذْرِ الموعَ على الخدود سِجاما

واعلمْ بانك ميّت ومحاسب يا من على سُخط الجليل أقاما

لله قومٌ أخلصوا في حبه فرضِي بهم ، واختصّهم خدّاما

قومٌ إذا جنَّ الظلام عليهِمُ با توا هنالك سُجّدًا وقياما

وقال ابن عباس رضي الله عنهما: من صلى ركعتين أو أكثر بعد العشاء فقد بات لله ساجدأ وقائمًا . ولا شك أن قيام الليل دأب الصالحين وتجارة المؤمنين ، وهؤلاء من سماتهم أنهم"تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا"ويقول النبي صلى الله عليه وسلم محببًا بقيام الليل"عليكم بقيام الليل ، فإنه دأب الصالحين قبلكم ، وقربة إلى الله تعالى ، ومكفرة للسيئات ، ومطردة للداء عن الجسد"ففوائده معنوية ومادية ، دنيوية وأُخروية .ومما قاله جبريل للنبي الكريم"واعلم أن شرف المؤمن قيامه بالليل"وقد روى أبو داوود"من قام بعشر آيات لم يُكتب من الغافلين، ومن قام بمئة آية كتب من القانتين ، ومن قام بألف آية كُتب من المقنطرين"والمقنطرون الذين حازوا قنطارًا من الأجر .

قال الحسن البصري: لم أجد شيئًا من العبادة أشد من الصلاة في جوف الليل .

وكان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مَقلى ، ثم يقول: اللهم إن جهنم لا تدَعُني أنام ، فيقوم إلى مصلاّه ....وكان زمعة العابد يصلي كثيرًا ثم إذا أسحر نادى بأعلى صوته: أيها الركب المعرّسون ، أكل هذا الليل ترقدون؟ ... ألا تقومون فترحلون ؟! ...فإذا طلع الفجر نادى: عند الصباح يحمد القوم السرى .

وكان طاووس يثب عن فراشه ، ثم يتطهر ، ويستقبل القبلة ، ويقول: طيّر ذكر جهنم نوم العابدين .

-4 والذين يقولون: ربنا اصرف عنا عذابَ جهنم ، ألم يقل الله تعالى"وإن منكم إلا واردها، كان على ربك حتمًا مقضيًا"فالبشر والجن لا بد أن يردوا النار صالحهم وطالحهم ، قد قال علماء التفسير واللغة في بعض ما قالوه:

لا يعني الورودُ الدخولَ فيها ، فإنك تقول: وردتُ الماء أي ذهبت إليه ، فقد تشرب منه وقد لا تشرب . وكذلك يرد البشر والجن النار فتعلق الكافرَ ، وينجو المؤمن منها .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت