وقيل: بل يطرح الكفار والمشركون فيها أما المؤمنون برهم وفاجرهم فيجوزون الصراط ، فمن استحق العقوبة جرجرته كلاليبها إلى النار فمكثوا فيها ما شاء الله تعالى أن يمكثوا حتى يتطهّروا ثم يخرجون منها بإذن الله تعالى ... ويجوز الناجون الصراط كل حسب عمله فمنهم من ينطلق كالبرق الخاطف ، ومنهم كالريح الشديدة ومنهم بسرعة الخيل ، ومنهم ركضًا ، ومنهم مشيًا سريعا، ومنهم من يمشي حبوًا أو يزحف زحفًا تخمشهم كلاليبها .. نسأل الله العافية والنجاة فعذابها أيها الأحباب كما وصفها المولى شديد:
"إن عذابها كان غرامًا ، إنها ساءت مستقرًّا ومُقامًا"
وللغرام معان عدة: كالشديد ، والملازم الذي لا يفارق ، والمولع بالشيء لا يدعه ،والغرم عكس الغنم .. وهكذاالعذاب فيها - أعاذنا الله منه - خسارة شديدة يأبى العاقل أن يكون من أهلها ، وكيف لا تسوء مُقامًا وهي مأوى الظالمين يصطلون بنارها صِليًّا ، ويُشوَوْن بلظاها شيًّا ؟! طعامهم الزقوم ، كأن طلعه رؤوس الشياطين ، وشرابهم الحميم الآني يُصهَر به ما في بطونهم والجلود ، ويتلقاهم الزبانية بمقامع من حديد ، وهي عليهم مؤصدة بعمد ممدّدة !! ،فبئس المستقر وبئس المُقام نسأل الله حسن الختام والفوز بالجنة ورضا الله تعالى ..
وإذا كان هذا قولَ عباد الرحمن - وهم أعرف بما يقولون لمكانتهم من الله تعالى - حق على الناس أن ينتصحوا ، فيقولوا مثل قولهم"ربنا اصرف عنا عذاب جهنم"ويفعلوا مثل فعلهم ، فيعبدون الله راضين مرضيين يطيعون فيما أمر ونهى سبحانه .
5-والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ، ولم يقتُروا، وكان بين ذلك قواما:
لابد من الإنفاق على أن لايكون إفراط ولا تفريط . ألم يقل الله تعالى معلمًا ومسددًا""
ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك
ولا تبسطها كل البسط...
فتقعد ملومًا محسورًا"؟"
فما الإسراف وما التقتير ؟
قال ابن عباس: من أنفق مئة ألف في حق فليس بسرف ، ومن أنفق درهمًا في غير حقه فهو سرف ، وقاله مجاهد وغيره . ويؤكد ذلك ما رواه عَبْدِالله قَالَ قَالَ رَسُولُ الله عليه وسلم:"لا حَسَدَ إِلا فِي اثْنَتَيْنِ ، رَجُلٌ آتَاهُ الله مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ ، وَآخَرُ آتَاهُ الله حِكْمَةً فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا الناس"
قال النحاس: من أنفق في غير طاعة الله فهو الإسراف ، ومن أمسك عن طاعة الله عز وجل فهو التقتير... وقال عون بن عبد الله: الإسراف أن تنفق مال غيرك .
ولا ينبغي الإفراط في النفقة فيضيع حق الآخرين أو عيالهم ، ولا التضييق والتقتير فيجوع العيال من فرط الشح .
والمطلوب العدل والتوسط وهذا ما يسمى"القوام"وقد وُصف أصحاب رسول الله بأنهم لا يأكلون طعامًا للذة وتنعم ، ولا يلبسون ثيابًا للجمال ، ، ولكن كانوا يأكلون ليسدوا جوعتهم ، ويلبسون لستر عورتهم . وقال الخليفة الفاروق في هذا: كفى بالمرء سَرَفًا أن ألاّ يشتهي شيئًا إلا اشتراه فأكله . وفي سنن ابن ماجة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت".
ولله در الشاعر حين قال:
إذا المرء أعطى نفسه كل ما اشتهت ولم ينْهها تاقتْ إلى كل باطل
وساقَتْ إليه الإثمَ والعار بالذي دعتْهُ إليه من حلاوة عاجل
وقال عمر لابنه عاصم: يا بنيّ كل في نصف بطنك ، ولا تطرح ثوبًا حتى تستخلقه ، ولا تكن من قوم يجعلون ما رزقهم الله في بطونهم وعلى ظهورهم .
فأين نحن من هؤلاء القوم ؟ وما مدى قربنا أو بعدنا منهم ؟
6-والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر:
من الظلم أن يكرمك أحدهم فتأكل على مائدته ، وتلبس من ثيابه ، وتنام على فراشه ، ثم تشكر غيره ، وتثني على غير المتفضل ، فهذا ظلم ما بعده ظلم ، وسفاهة ما بعدها سفاهة . فكيف والله تعالى خلقك ، ويسّر كل شيء لخدمتك"يا بن آدم خلقت كل شيء لك ، وخلقتك لنفسي"وجعلك سيد المخلوقات ، ووهبك العقل وجعلك أجملهم"لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"ثم ترضى لنفسك الضياع والسقوط فتعبد إلهًا غير الله ،
عن ابن مسعود قال: قلت يا رسول الله أي الذنب أكبر ؟ قال:"أن تدعو لله ندًا وهو خلقك .."
وعن أبي الدرداء، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن ربه:
إني والإنس والجن في نبإ عظيم
أخلق ويعبد غيري ،أرزق ويشكر سواي
خيري إلى العباد نازل، وشرهم إلي صاعد
أتودد إليهم برحمتي ، وأنا الغني عنهم
ويتبغضون إلي بالمعاصي،وهم أفقر ما يكونون إلي!
أهل ذكري أهل مجالستي،فمن أراد أن يجالسني فليذكرني
أهل طاعتي أهل محبتي
أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي
إن تابوا إلي فأنا حسبهم
من أتاني منهم تائبا تلقيته من بعيد
ومن أعرض عني ناديته من قريب
أقول له: ألك رب سواي؟!!
الحسنة بعشر أمثالها ، وأزيد!
والسيئة عندي بمثلها ، وأعفو!
"وعزتي وجلالي، لو استغفروني منها لغفرتها لهم"
رواه البيهقي والحكيم الترمذي