وأخذوا مرغمين إلى السجون، وحبسوا وضربوا بالسياط، وقيدوا بالحديد، وأصبحوا في ذلة وفي حقارة وفي صغار، لأنهم ما حفظوا الله.
فالزم يديك بحبل الله معتصماً
فإنه الركن إن خانتك أركان
يا متعب الجسم كم تسعى لراحته
أتعبت جسمك فيما فيه خسران
أقبل على الروح واستكمل فضائلها
فأنت بالروح لا بالجسم إنسان
إن الذي لا يحفظ الله يضيعه الله، ولذلك كان - صلى الله عليه وسلم - يوقف الصحابي الواحد من أصحابه ويقول له:"احفظ الله يحفظك". (2)
فرغون طاغية، ضيع الله فضيعه الله في اليم.
وأبو لهب طاغية، ضيع الله فرده الله في نار ذات لهب.
وأبو جهل طاغية، لما لم يسلم للا إله إلا الله ضاع.
وأنتم تستقرئون من قرابتكم ومن مجتمعاتكم أن من ضيع الله ضيعه الله - عز وجل -.
فأكبر قضية نريدها هي: حفظ الله - عز وجل -.
إن رقابة الأستاذ، أو الإدارة، أو السلطة لا يمكن أن تنفذ إلى قلبك، إذا لم تراقب الله - عز وجل -.
يقول - سبحانه وتعالى-:"وذروا ظاهر الإثم وباطنه" (الأنعام: الآية 120) ، فظاهر الإثم قد تتركه خوفاً من السلطة، لكن باطن الإثم لا يترك إلا خوفاً من الله - تعالى -.
الثاني: يا أيها الأحباب، أن نحمل العبودية كطلبة علم.
فهل يرضيكم أن تروا طالب علم يقرأ قال الله، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وبين أساتذة أخيار أبرار، ولا تظهر عليه معالم السنة والاستقامة، كأنه خرج من نادٍ من باريس، أو من لندن، أو من واشنطن؟
فأين أثر ما طلب وما درس على محياه وعلى كلامه؟
فلا بد من العمل مع العلم، لأن العلم وحده لا ينجي عند الله يوم القيامة، فإبليس علم ولم يعمل، فعلمتم ما هو مصيره.
ولذلك كثيراً ما يقرن الله - سبحانه وتعالى- بين العلم والإيمان، كما في قوله:"وقال الذين أوتوا العلم والإيمان" (الروم: الآية 56) . لأن العلم بلا إيمان يؤدي إلى الانحراف وإلى الإلحاد والعياذ بالله.
فلا بد إذن من العبودية بجانب العلم.
والعبودية تكون وتظهر على عدة أعضاء، من أبرزها هذا القلب كتلة اللحم الذي تحمله بين جنبيك، فهو حياتك وموتك، وواجبك أمام الله أن تدخل فيه الإيمان كما قال - سبحانه:"إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وُدًّاً" (مريم: الآية 96) ،"والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" (العصر: الآيات 1-3) .
أيضاً: أن تملأه بالإخلاص والنية الطيبة.
ثالثاً: أن نحيي سنته - صلى الله عليه وسلم - في حياتنا المعاصرة.
ولا يتحقق ذلك إلا بدراسة سيرته والتأمل في أحداثها وإيحاءاتها التربوية التي تهم واقع الشباب.
وإن لم تفعل ذلك فما صدقت في حبك له.
يا مدعي حب طه لا تخالفه
الخلف يحرم في دنيا المحبينا
أراك تأخذ شيئاً من شريعته
وتترك البعض تدويناً وتهوينا
خذها جميعاً تجد خيراً تفز به
أو فاطرحها وخذ رجس الشياطينا
فلا بد للشباب من تحقيق سيرة هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وإقامتها حقاً على سلوكه، وعلى مظهره، دون أن يرد بعضها، أو يهون ناحية من نواحيها كاللحية والثوت مثلاً، لأن الجميع قد جاء به - صلى الله عليه وسلم -، ولا يكمل إيمان العبد حتى ينشرح صدره بجميع ما جاء به - صلى الله عليه وسلم -.
رابعاً: أن نحرص على أوقاتنا أن تضيع من بين أيدينا هدراً، قال - سبحانه:"أفحسبتم أنَّما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون ف- تعالى - الله الملكُ الحقُّ لا إله إلا هو ربُّ العرش الكريم" (المؤمنون: الآيات 115-116) .
فلا بد لنا أن ننظم أوقاتنا تنظيماً دقيقاً، لأننا أمة الدقة والنظام.
يقول - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح:"نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ". (3)
ولا يكون ذلك كما قلت إلا بالتنظيم، بان تقسم أوقاتك إلى أجزاء، وتجعل في كل جزء ما يناسبه، فالصلاة في وقتها جماعة، وتجعل وقتاً للحفظ والتلاوة، ووقتاً للاطلاع والقراءة، ووقتاً للزيارات وصلة الرحم، ووقتاً للأهل ومتطلباتهم، ووقتاً للترويح عن النفس في غير المحرم، وهكذا.
ولن يتم لك الاستفادة من وقتك إلا بمثل هذا التنظيم، وقد جرب الكثير ذلك فعلموا مصداق هذا.
لأن العشوائية في الوقت لا تحقق الاستفادة التامة منه، بل يصبح الإنسان يراوح في مكانه سنوات طويلة دون أن يثمر من وقته شيئاً.
فيا شباب، عليكم قبل هذه المسائل الأربع بالصدق مع الله في الحياة، فإنه من يصدق الله يصدقه.
ولا يكون الصدق إلا بالمبادرة إلى النوافل والطاعات، حتى يتحقق لنا حب الله ومعونته، فإنه القائل كما في الحديث الصحيح:"ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصره به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، ولئن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه". (4)
فالنوافل والطاعات الاجتهادية تزيدك قرباً منه - سبحانه -.