وبَاقَةٌ مِنْ صَبَايا الحيِّ قَطّعَها
فأسٌ ! إِلى الله نَشْكوهمْ ونَحْتَكِمُ
ما لِلمدارس تَغْزُوَها جَرَائِمُهُمْ
ما للمنَازِلِ والسَّاحات تُقْتَحمُ
أين الحَنانُ ؟ وأَيْنَ الأَهْلُ ؟ واعَجبًا
كَأنّما فُتَّحَتْ لِلْمجْرم الأُطُمُ (4)
قُصِّي"بَليْدَةُ"ما عانَيْتِ من فَزَعٍ
ورجِّعي عَنْ رُبى"وهْرانَ"ما عَلِمُوا
وفي ربَى"المدْيَة"الحمراءِ مجْزرَةٌ
قد أفْلتَتْ من يَدَي"صُنّاعِها"اللُّجُمُ
هذي المجازرُ في"الملاّحة"انفجَرت
فَسَلْ تَنبِّئْكَ عن أَهْوالها التُّخُمُ
في كلُّ ناحيِةٍ ذَبْحٌ ومَهْلكةٌ
وكلِّ وادٍ وريِعٍ باتَ يَلْتَهمُ
كانَتْ مَيَادِينُها نَفْحَ الحَياةِ بها
فَعَادَ يُطلَقُ منها الموتُ والرِّمَمُ
كَأنَّما تُرِكُوا لحمًا على وضَمٍ
وأُخْلِيَتْ مِنْهمُ السّاحَاتُ والأَكمُ
دَوّى عَلى مَسْمَع الدنيا نِدَاؤُهمُ
كَأَنّما النَّاسُ قَدْ أفْنَاهُمُ الصَّمَمُ
أين الذين ادّعوا في الأرض مَرْحمة ؟!
كَأنَّهُمْ مِنْ نَواحي الأَرض قد عُدِموا
كَلاّ ! فَإنّهُمُ أصْلُ البلاء بنا
هُمُ النِّظام الذي تُلْهىَ بِه الأُمَمُ
أين الحِبالُ التي كانتْ موثَّقَةً
بالله ؟ ! أينَ عُرَا الإِسلام والرحِمُ
طاش الصوابُ ! فما أصْغَتْ لِنائحةٍ
أُذنٌ ولا وَعَتِ البَلْوَى قُلوبُهُمُ
مَنْ أَضْرمَ النَّار؟! من غَذَّى اللهيبَ بها
فَعَمَّ مِنْ وَقْدِها الإِجْرامُ والضِّرَمُ
وَمَنْ رمَى الفِتْنةَ السَّوداء فانْطلقَتْ
منها الفواجعُ والشحناء والأضَمُ (5)
كلُّ الشياطينِ في سَاحَاتِها دَلَفتْ
يَشُدُّها الطمَّعُ القَتّالُ والنَّهَمُ
تَحُوكُ مِنْ عَتمْة الظَّلْمَاءِ فِتْنتَها
مَكْرٌ يُدارُ وكَيْدٌ ظلَّ يَجْتَرِمُ
تَسلَّلوا وبلادُ الله مُشرَعَةٌ
للمفْسِدين ! قُلوبٌ فُتِّحتْ لَهُمُ
ولم يَكُنْ غيرُ بَابٍ يلجَؤُون لَه
بابُ الهَوى وهَوَانُ النَّفْسِ دُونَهُمُ
ليس الملومَ عَدُوٌّ في مُخَاصَمةٍ
هو العَدوُّ فلا يُرْجَى بِه سَلمُ
نحن المَلومُون ! عَهْدُ الله نَحْمِلُه
ولَيْسَ يَحْمِلُه مِنْ دُونِنَا الأُمَمُ
يَدُ التَّقِيِّ بَرَاءٌ مِنْ جَرائِمهمْ
وقَلْبُهُ بِهُدَى الإِيمان يَعْتَصِمُ
والمسلمون نَقاءٌ في مُجاهَدَةٍ
فَخَشْيَةُ الله في ميدانِهِم عِصَمُ
لَهُمْ مِنَ الحقِّ نورٌ يستضاءُ بِهِ
ومِنْ هُداه سبيل الله يُلْتَزَمُ
وإِنَّهُم لَوَفاءٌ في معاهَدةٍ
لله يَصْدُقُ فيها الشَّرْعُ و القِيَمُ
وإِنَّهُمْ لَجَلاءٌ في مخاصَمَةٍ
لله إن ثارَ في ميدانِهِمْ خَصِمُ
صِدْقٌ إِذا شَهِدوا ، عَزْمٌ إِذا نَهَضُوا
عَوْنٌ إذا فَزعِوا ، عَدْلٌ إذا حَكَموا
مَنْ كانَ يَسْجُدُ للرحمن خاشِعَةً
أَحْناؤهُ كَيْفَ يَنحو نَهْجَ من ظَلَموا
للظالمين دُرُوبٌ ليس يَحْصُرُهَا
عَدٌ ، وللحقِّ دَرْبٌ واحِدٌ حَكَمُ
جُنَّتْ روابيكِ ! هل أبقَيتِ مِنْ أَمَلٍ
يُرْجَى ومِنْ فُسْحَةٍ للحقِّ يُحْتَكَمُ
بالأمسِ كُنتِ مع الإِسلام صَافِيةً
صفًّا تُوَحِّدُه الآمالُ و الهمَمُ
ما بالك انقسَمَتْ دُنياكِ وانْفَرَطَتْ
عُقُودُها وتولَّى أمْرَك اللَّسَمُ (6)
المسلمون ! وكانُوا أُمَّةً فَغَدَوا
مَعَ الهوى شِيَعًا تنأى وتصْطَدِمُ
يا ابن الجزائِرِ ! إِنّ الدّين كانَ لَكُمْ
عِزًّا تقوم به الأنْسابُ واللُّحَمُ
كاْنت عُرَاه حِبَالًا لا يُقَطّعُها
إِلا فَسَادُ هَوى يَطْغَى ويعترمُ (7)
بَدَّلْتُمُ بِعُراهُ بَعْدَ ذاك عُرًا
وبالحِبال خيوطًا سَوْفَ تَنْفَصِمُ
وإِنَّ أوهن بَيتٍ أنْتَ تسْكُنُه
بَيْتُ العَناكِبِ مَهْما قِيلَ أو زَعَموا
ضَلّوا وقد رَكَنُوا للظّالمين وَمَا
دَرَوْا بأنَّ قَضَاءَ الله مُنْتَقِمُ
كَيْفَ الركونُ وآيُ الله بيِّنَةٌ
وسُنَّةُ الله تَجْلُوهَا لَنَا الحِكَمُ
مَنْ يَتَّبِعْ غيْرَ دَرْب المؤمنين هوىً
يَعَضُّه منْ هواهُ الذلُّ والنّدَمُ
الجاهليّة مَدَّتْ من مُخالِبها
فَمزَّقَتْهُمْ وجَالت بَيْنَهُم أُمَمُ
نادَوا بقَوْمِيَّةٍ نهْجًا فَضَلَّ بِها
قَوْمٌ عنِ الحقِّ وارتَدُّوا بها وعَمُوا
ثُمَّ انْثَنَوْا وَوُحُولُ الأَرْض عُرْوَتُهُمْ
فَضَاعَتِ الأرضُ والأَحْلامُ والحُرَمُ
وغابَ عَنْهُمْ رضَاءُ الله وانْقَلَبَتْ
أَيّامُهُمْ نِقَمًا تَأتي بِهَا نِقَمُ
من كان يَرْجو وليًّا غيرَ خالِقهِ
تاهتْ خُطاهُ وغَشّى دربَهُ الظُّلَمُ
عَجِبْتُ للمسْلم الداعي يَمُدُّ يدًا
للمجرمين ! يَبُثُّ الودَّ بينَهُمُ
يخُصُّهُمْ بوَلاءٍ مِنْ عَزائِمه
وخَشيَةٍ ملكَتْهُ إن هُمُوا نَقَمُوْا
ويُفرغُ الحُبَّ في مَيْدانِهم أَمَلًا
بأن يَنَالَ رضًا أو بعضَ ما قَسَموا
يَرْضَى القليلَ وإن عزّتْ أكفُّهمُ
وليس يُرْضِيهِ من إخوانِه الكَرَمُ
مَنُّوا عَلَيْه ! فَيُحْني رأسَه جذِلًا
ويَعْظُمُ الكِبْرُ بَيْن الأَهْل والشَّمَمُ
يَمْضِي على نَهْجهم !حَتّى وإنْ نَفَرُوا
مِنْ دِينه وجَرَوا في فِتْنَةٍ وَعمُوا