وربما تكون غشيت الناس بيئة محيطة بفعل فكر منتسب إلى الإسلام صرفتهم عن اعتبار المكان والمواطنة في العمل والانتماء، لكنهم كانوا يمارسون الكثير من ذلك، ويتمتعون بالمواطنة ويشاركون المجتمع والناس كثيرًا من الهموم ويخوضون معهم تنافس الأفكار والمصالح، ويتدافعون على نحو ما، ربما لم يكن على بصيرة، ولكن فيه كثير من مقتضيات التمدن وممارساتها دون أن يدركوا أو لعلهم لا يريدون أن يعترفوا، ولكن المغترب والمهاجر سيدرك ذلك بالتأكيد، ويتذكر كثيرًا من الإنجازات العفوية التي كان يراها أمرًا عاديًا أو غير ذي بال وأهمية، فيفتقدها في الغربة والهجرة ويراها ذات شأن كبير. مطالعة الصحف مثلًا ومشاركة الناس في قضايا الضرائب والأسعار والقبول في الجامعات والتوظيف، والتشكيلات والبيانات الوزارية، والانتخابات البلدية والنقابية والنيابية وإن لم يشارك فيها، وطوابير المواصلات وزحام الأسواق، والحديث مع العابرين فضلًا عن الأصدقاء والزملاء والأقارب في المسائل العامة والصغيرة، عن التلوث، والطقس، والمباريات الرياضية، ومواقف الحكومة وبرامجها، وأزمة السكن والغلاء، والبطالة والمحسوبية، وحضور الندوات والمحاضرات ومتابعة القضايا والمستجدات صغيرها وكبيرها، وسيرى المرء في الغربة أنه ليس معنيا في شيء من ذلك كله، ولا يستطيع أن يشارك إن أراد.
والدعوة والرسالة تكون في القوم والأهل، (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) فالأنبياء ثم الدعاة أقدر على العمل والنجاح في قومهم، ويملكون أسباب المنعة تلقائيا (ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز) .
وقد ابتليت جميع مجتمعات المسلمين بالهجرة إلى أوطان وبلاد بعيدة، يختلف أهلها أحيانا في الدين واللغة والعادات والثقافة، وكل شيء تقريبًا، واستقبلت بعض دول المسلمين موجات من الهجرة من كل أنحاء العالم، من المسلمين وغيرهم، ونشأ عن ذلك كله أفكار وأسئلة ومشكلات وتحديات، لم تكن قضية الحجاب في فرنسا إلا جزءًا قليلًا منها، ولم يكن العمل الإسلامي يعطي هذه المسألة ما تستحقه من نظر وفقه يكفي لاستيعاب الظاهرة استيعابا كافيًا، وإن أُنشئت مساجد ومدارس ومراكز إسلامية، ولكن المسألة أعقد من ذلك بكثير، حتى فاجأتنا أحداث الحادي عشر من أيلول بكثير من المشكلات والتحديات والأسئلة التي لم نكن مستعدين لها.
الهجرة ابتداء لغير ضرورة أو حاجة ومصلحة يصعب تحقيقها بغير الهجرة يجب تجنبها؛ لأنها ترتب التزامات يجب الالتفات إليها، أولها أنها عقد واجب الالتزام به مع الدولة والمكان المهاجر إليه، يقضي بالانتماء والمشاركة كما التمتع بالحقوق والحماية، أما وقد هاجر الإنسان. فلا يسعه أن يكون جزءًا فيزيائيًّا وقانونيًّا من المجتمع ويسعى لتحصيل حقوقه والمنافع المترتبة على الهجرة دون أن يؤدي الواجبات والالتزامات المقابلة، فذلك يناقض العقد ومنطق الهجرة والحياة أيضًا.
وقد يستطيع المهاجر أن ينطوي على نفسه وأهل ملته وقومه، أو يمتنع عن واجبات المشاركة في مهجره، ولكنه يخرق المبدأ الذي هاجر وفقه والتزم به مع الدولة التي هاجر إليها، ويضر أيضًا بنفسه وعائلته، فالانتماء والمشاركة حاجة قصوى للإنسان، لأنه إن لم يشعر بانتمائه للمجتمع الذي يعيش فيه ولم يشارك الناس حياتهم وقضاياهم وشؤونهم؛ فإنه يغرق نفسه في العزلة، ويتحول مع أسرته إلى كائن معزول مقتلع يعاني من التشوه والكراهية، كراهيته للآخرين وكراهية الآخرين له، وعلى المدى المتوسط من الزمن فإنه يتحول إلى هامشي يحرم أولاده وهو محروم ابتداء من فرص النمو الصحيح والتفوق والتنافس على الفرص والتكوين الصحيح للشخصية والقدرة على القيادة والعمل مع الآخرين والمشاركة معهم في الشؤون الضرورية والمهمة، وقد يتحول إلى كيان خطير على نفسه وعلى الآخرين.
ثمة تناقض كبير بين الهجرة والانغلاق والعزلة، فالهجرة انفتاح على الأمكنة والناس والتجارب، وبالضرورة فإن ذلك يعني المشاركة والانتماء، ومن عجب أن يكون المرء يرفض المشاركة ويسعى للهجرة، فهو بذلك يناقض نفسه.