فهرس الكتاب

الصفحة 7954 من 27345

ولأهل السنة سمة في هذا الباب، فخلوتهم مع صحيح البخاري ومسلم أحسن من ملك الدنيا جميعًا، واليك بعض النماذج السامية: طلب ( شريك) العلم أربعين سنة، قال: طلبت العلم والله ما كان زادي في الىوم إلا كسرة خبز!.. وحضر في مجلس فيه وزير عباسي قد غاص في الركايا وفي الطنافس، فحدث بحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام ، فقال الوزير: ( مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ) (المؤمنون: 24) ، فقال له شريك ـ وكان سريع البديهة ـ: من اين تسمع بهاذ وأنت تأكل الخبيص وتجلس على الطنافس ، وتغنيك الجواري؟!. وعرض به أحد خلفاء بني العباس حين قال له: أنت تحب عليا ، فأجابه: احبه حتى الدماغ ، فقال له: أواه من يوم عليك أظنك زنديق !، فقال شريك: الزنديق له ثلاث علامات، قال: ما هي ؟ قال: يترك صلاة الجماعة، ويشرب النبيذ، ويسمع الجواري!، قال: كانك تعرض بي وتلمح!، قال: ما ألمح لكن أقصدك!!.

وابن عبد البر مكث مع كتاب التمهيد ثلاثين سنة ليلًا ونهارًا ، ثلاثون سنة مع الكتاب يفليه، يكتبه، ينسخه ، يشرحه، ثم يقول:

سمير فؤادي من ثلاثين حجة

وصقيل ذهني والمفرج عن همي

وقد نظمت أربعة أبيات من باب التشبه بابن عبد البر فقط لا غير:

ثلاثون عامًا والدفاتر صحبتي

وقد صانني عن كل لهو وغفلتي

ثلاثون عامًا كلما قلت قد كفي

لأرتاح في داري وأحسو معيشتي

أبت همتي إلا الصعود الى العلا

إذا أنهد جسمي صارفي القلب قوتي

صعود أبدًا وتفوق دائمًا

دريد بن الصمة جاهلي من أهل الطائف ، خرج مع أخيه عبد الله لمواجهة العدو، فلما حضرت المعركة اجتمع القوم على أخيه عبد الله فقتلوه ، فسمع أخاه وهو في النفس الأخير يناديه: يا دريد.. يا دريد.. يا دريد، فانبعث هذه الصرخات إلى دريد وهو في آخر المعسكر وبينه وبين أخيه سيوف ورماح، فأخذ دريد في يمينه سيفًا وفي يساره رمحًا فشق الصفوص ، ووصل غلي أخيه وطاعن عنه الخيل وضارب الأبطال حتى جرح، ثم حمل فإذا أخوه ميت وهو حى!، فقال فيه قصيدة وهو يبكي عند أمه، يخبرها وخبر أخيه ، وهي من أرق وأجمل القصائد ، وقد جعلها أو تمام في حماسته ، يقول:

دعاني أخي والخيل بيني وبينه

فلما دعاني لم يجدني بقعدد

فطاع عنه الخيل حتى تبددت

وحتى علاني حالك اللون أسود

طعان أمرئ آسي أخاه بنفسه

ويعلم أن المرء غير مخلد

وطيب نفسي أنني لم أقل له

كذبت، ولم أبخل بما ملكت يدي

وهون وجدي أن ما هو فارط

أمامي وأني هامة اليوم أو غدا

وهذه من شيم أهل الجاهلية ، لكن الإسلام زكاها وسما بها الى أفق آخر. وفي سير الصالحينـ رضوان الله عليهم ـ مثال: في تسعة أسياف تكسرت في يد خالد بن الوليد ، وفي تسعة اسياف يطعن بها محمد بن حميد الطوسي فيقول له أبو تمام:

تردي ثياب الموت حمرًا فما أتي

لها الليل إلا وهي من سندس خضر

فتي كلما فاضت عيون قبيلة دمًا

ضحكت عنه الأحاديث والذكر

وهذه قصة قصيرة في سمو الهمم، شخوصها ابن عمر رضي الله عنه ، وعمرو بن أبي ربيعة وابن أبي لهب.

قال ابن عبد البر: أمر معاوية ألا يدخل أحد مكة إلا بإذنه ، فمر ابن ربيعة فقال له الجنود والحراس:

من أنت: فقال لهم:

بينما يذكرنني أبصرنني

عند قيد الميل يسعي بالأعز

قال تعرفن الفتي؟ قلن نعم

قد عرفناه وهل يخفي القمر؟!

فاذنوا له بالدخول.

فأتي ابن ابي لهب ، فقالوا له: من أنت ؟ قال:

وأنا الأخضر من يعرفتي

أخضر الجلدة من نسل العرب

من يساجني يساجن ماجدًا

يمل الدلو الى عقد الكرب

فأذنوا له.

فأتي ابن عمر وإذا الناس كنفتيه كالغمامتين، وإذا سائل يسأله: نحرت قبل أن أرمي؟!، قال: أفعل ولا حرج ، قال: حلقت قبل أن أنحر ؟! قال: افعل ولا حرج، فأخذ الناس يسألونه...، فقال معاوية:

هذا والله هو الملك لا ملكي!.. وأمر الحراس فأذنوا له.

لأن ابن عمر تخرج من مدرسة محمد صلي الله عليه وسلم الهادية ، الناضحة، أما مدرسة ابن أبي ربيعة وابن أبي لهب فمدرسةلاغية، تعتمد على الهيام والغرام، ومثلها مدارس الأغنيات والآهات والزفرات في القنوات، وفي كل زمان ومكان تضيع فيه الآيات البينات، والأحاديث الثابتات.

وبسم الله نختم

ربنا اسلك بنا طريق محمد، ربنا اهدنا سبيل الخلفاء الراشدين، ربنا احشرنا مع الصادقين، ربنا اجعلنا مع الخالدين ، ربنا ارحمنا، ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا..، أخطأنا، أسأنان تجاوزنا ، لكنك رحيم ، لكنك كريم، لكنك عفو، لكنك منان، لكنك رحمن، لكنك ديان، فعفو منك يا الله النبي صلي الله عليه وسلم ورحماك يا رب ، اللهم أكرمنا برحمة منك، ومغفرة منك، ونوال طيب منك، لكل وافدٍ ضيافة، ولكل زائر رفادة ، ضيافتنا منك ربنا، فيا رب غفران، ووفادتنا رضوانن وأنت رحمن سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ َسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت