فهرس الكتاب

الصفحة 7956 من 27345

نعم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد أي بحفنة من الماء، وكان يغتسل بأربع حفنات فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات، وإنما هو يدور بين الوجوب والندب والإباحة بحسب الظروف، والملابسات. ولو عاش صلى الله عليه وسلم على ضفاف نهر مثلا لتوضأ بأكثر من حفنة ماء، ولاغتسل بأكثر من أربع حفنات.

وكان صلى الله عليه وسلم يعد سلاحه لملاقاة الأعداء بالسيف والرمح والنبل، فهذا تشريع ولكنه ليس للوجوب بالذات، ولكنه يدور بين أحكام الشريعة الخمس، بحسب الملابسات، ولو عاش في زماننا لما قصر صلى الله عليه وسلم عن الإعداد بأقصى مظاهر القوة العسكرية الحديثة.

إن بعض مشكلات الإسلام اليوم هي في بعض أهله ممن يفرطون، أو يفرطون، فليس من الإسلام في شيء ما نسمع عنه اليوم من أن بعض الدعاة يذهب إلى أوربا أو أمريكا ليدعو إلى الإسلام فيأكل على الأرض، وبالأصابع، فالحق أن هذا تنفير من الإسلام وليس دعوة إليه ولا فهما له.

إن مشكلة الإسلام مع هؤلاء في أنهم يدخلون جميع أفعاله صلى الله عليه وسلم في باب الوجوب أو الإلزام، بينما هي قد تكون من التشريع بالندب، أو من التشريع بالإباحة، أو غير ذلك من أحكام التشريع.

والصنفان السابقان: من يرفضون السنة جملة وتفصيلا، ومن ياخذون بها دون تفرقة بين الأحكام الشرعية الخمسة - أمرهما هين في كشف خطرهما أو انحرافهما، فالأول الذي ينكر السنة في باب التشريع إجمالا، كافر غير مسلم، والثاني الذي لا يميز فيها بين الفرض والمندوب والمحرم والمكروه والمباح أمره خطير ولكنه أقل خطرا من أولئكم. فهم مسلمون متشددون فيما لا موضع للتشديد فيه، ويمكن كشف خطرهما بشيء من الفقه والتعليم.

وهناك صنف ثالث: برز في العقود الأخيرة يزعم أن منها ما هو للتشريع فيؤخذ به، ومنها ما هو لغير التشريع فلا يؤخذ به، وهذه مقولة بالغة الخطر، وخطرها من نعومتها وشدة التلبيس فيها.

يقول الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين ردا على هؤلاء مبينا أن السنة كلها تشريع:"ولم يخالف في ذلك أحد من علماء المسلمين طوال أربعة عشر قرنا، حتى كان النصف الثاني للقرن الرابع عشر للهجرة، فكان أول من قسم السنة إلى تشريع وغير تشريع فضيلة الشيخ محمود شلتوت في كتابه"الإسلام عقيدة وشريعة"."

يذهب الشيخ شلتوت: إلى أن ما ورد من أقواله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وتقريراته قد يأتي بعضه: على ما سبيله سبيل الحاجة البشرية كالأكل والشرب والمشي والتزاور والمصالحة بين شخصين. وما سبيله التجارب والعادة الشخصية، أو الاجتماعية كالذي ورد في شئون الزراعة والطب وطول اللباس أو قصره. وما سبيله التدبير الإنساني في ظروف خاصة كتوزيع الجيوش على المواقع الحربية. وكل هذه الأنواع ليس شرعا يتعلق به طلب الفعل أو تركه، وإنما هو من الشئون البشرية التي ليس مسلك الرسول فيها صلى الله عليه وسلم"تشريعا ولا مصدر تشريع".

ويقول الشيخ موسى شاهين لاشين: وعن الشيخ شلتوت أخذ كثير من المعاصرين فيما كتبوه عن السنة وتقسيمها إلى تشريعية وغير تشريعية. والذين ساروا في ركاب الشيخ شلتوت هم حتى اليوم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.وهؤلاء بحسن نية في بعض الأحيان يفتحون في الشريعة الإسلامية ثغرة يحسبونها هينة وهي منفذ خطير لأعداء الشريعة الإسلامية.

خصوصا وأن القضية بدأت أولا ؛ بإخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب من التشريع، ثم انتهت إلى إخراج كل ما يتعلق بالمعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم، فيذهبون إلى أن المعاملات في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم ليست خاضعة للتشريع، وإنما هي صادرة عن اجتهادات بشرية يجوز لمن يأتي بعده أن يجتهد مثله، وأن يخالفه في أفعاله وتقريراته وأفعاله وبخاصة ما جاء منها في المعاملات التي لم ترد في القرآن الكريم - ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول صلى الله عليه وسلم باجتهاده - وفقا لعبارة الدكتور عبد المنعم النمر في كتابه"السنة والتشريع ص 46"ويحصر السنة التشريعية في دائرة ضيقة بقوله: (نسارع فنقرر أن كل ما صدر عن الرسول من شئون الدين والعقيدة والعبادة والحلال والحرام والعقوبات والأخلاق والآداب لا شأن لنا به إلا من ناحية فهمه) ، ثم يقول: (لكن هناك أحاديث كثيرة تتصل بمعاملات الناس في الحياة من بيع وشراء ورهن وإجارة وقراض وسلم) ، كل ذلك لا يراه من التشريع وإن جاء في السنة، ثم يقرر أن المعاملات تخضع في الإسلام أولا وأخيرا لمبدأ المصلحة. وعلى هذا النحو جاءت كتابات العلمانيين من نحو نور فرحات، ومحمد خلف الله أحمد، وحسين أحمد [2]

وهو لم يكتف بما اكتفى به الشيخ شلتوت من إخراج ما سبيله الحاجة البشرية كالأكل والشرب، وإنما أخرج المعاملات جميعا، ولم يفرق في ذلك بين واجب ومندوب، أو مباح ومحرم، أو مكروه، وحكم على ما يقرب من نصف السنة بأنه ليس من التشريع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت