فهرس الكتاب

الصفحة 7957 من 27345

ومن الواضح ما يمثله هذا التوجه من خطر على الشريعة الإسلامية: ينسفها أولا في المعاملات، ويبقيها في العبادات ليجهز بعد ذلك على المعاملات والعبادات جميعا. وهذه هي الغاية التي تنتهي إليها العلمانية في أقصى حالاتها. وهؤلاء يأتي الرد عليهم بعد نبذة سريعة عن الصنف الرابع.

الصنف الرابع: وهم المسلمون منذ عصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلى قريب من عهدنا الحاضر، فهؤلاء يؤمنون بأن السنة كلها تشريع: إيمانا بما جاء عن ذلك في القرآن الكريم: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } ، { وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب } ، { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا } ، { وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى } .

يقول الأستاذ الدكتور عبد الغني عبد الخالق: (كل ما تلفظ به رسول الله صلى الله عليه وسلم - ما عدا القرآن - أو ظهر منه من ابتداء رسالته إلى نهاية حياته فهو من سنته، سواء ما أثبت حكما عاما لسائر أفراد الأمة، وهذا هو الأصل، أو ما أثبت حكما خاصا به أو ببعض أصحابه، وسواء أكان فعله جبليا أم كان غير جبلي، من قول أو فعل يصدر عنه إلا ويثبت حكما شرعيا، بقطع النظر عن كونه إيجابا أو ندبا أو تحريما أو كراهة أو إباحة) .

يقول ابن تيمية رحمه الله: (كل ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم - بعد النبوة - أو أقرعليه أو فعله ولم ينسخ فهو تشريع. والتشريع يتضمن الإيجاب والتحريم والإباحة، ويدخل في ذلك ما دل عليه من المنافع في الطب، فإنه يتضمن إباحة الدواء، والانتفاع به فهو شرع لإباحته، وقد يكون شرعا لاستحبابه، والمقصود أن جميع أقواله يستفاد منه شرع) .

لقد ذهب جمهور الأصوليين إلى أن فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يدل - على الأقل - على الإذن به، مطلق الإذن الذي يشمل الوجوب والندب والإباحة، ما لم يوجد دليل على تعيين واحد منها. وقال بعضهم: يفيد الوجوب ما لم توجد قرينة مانعة منه. وقال بعضهم يفيد الاستحباب ما لم توجد قرينة مبينة للوجوب. ومن ذلك يتبين الإجماع على كونه تشريعا.

إن أظهر ما يستدل به القائلون بأن بعض السنة ليس تشريعا هو ما يذكرونه في باب الأكل والشرب ؛ يقولون: إن سنة الرسول صلى الله عليه وسلم في الكل والشرب هي من باب الجبلة أو العادة والتجربة. فهي ليست تشريعا. وهو كلام منمق يتبين بطلانه بعد الفحص والنظر. فإذا ظهر بطلان دعواهم فيما جاء عن الأكل والشرب ظهر بطلان دعواهم في القضية كلها. وتبين رسوخ ما عليه جماعة المسلمين من كون السنة كلها تشريعا.

لقد حرم الله الميتة ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) فمن الذي أحل السمك الميت - وها نحن في قلب مسألة الأكل والشرب -؟

أليس هذا تشريعا؟

كيف يكون ما جاء عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب ليس تشريعا مع أن الله سبحانه وتعالى يقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث) 157 الأعراف، أليس فعله صلى الله عليه وسلم أو قوله أو تقريره يعطي حكما شرعيا أقله رفع الحرج عن فعله؟ أكله صلى الله عليه وسلم للقثاء بالرطب ألا يفيد هذا إباحة هذا الفعل؟ أو لا يفيد؟ ألا يفيد هذا جواز الجمع بين لونين من الطعام؟ أو لا يفيد؟ وإليكم طائفة مما ورد عن الرسول صلى الله عليه وسلم في الأكل والشرب، بعضها واجب وبعضها مندوب:

فعن عمر بن أبي سلمة رضي الله عنه قال: (كنت غلاما في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا غلام سم الله وكل بيمينك، وكل مما يليك) كيف لا يكون هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة؟

وفي ذم الشره والتنفير من الجشع في الأكل يقول صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يأكل في معى واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء) [أخرجه البخاري] ، كيف لا يكون هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة؟

ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن"الكرع"وهو الشرب منكفئا على الإناء وتناول الشراب بالفم كما تشرب البهائم، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: مررنا على بركة فجعلنا نكرع فيها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تكرعوا ولكن اغسلوا أيديكم ثم اشربوا بها) [أخرجه ابن ماجة] ، أليس هذا تشريعا يدخل في أحد الأحكام الخمسة؟

ونهى صلى الله عليه وسلم عن اختنات الأسقية - أي الشرب من الإناء الكبير - منعا من توارد الأفواه على المكان الواحد في الإناء، فعن عائشة رضي الله عنها (نهى صلى الله عليه وسلم أن يشرب من في السقاء - أي فم السقاء - لأن ذلك ينتنه) [أخرجه الحاكم بسند قوي] ، أليس هذا تشريعا بأحد الحكام الخمسة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت