فهرس الكتاب

الصفحة 3630 من 27345

وقال القاضي: لا يختلف المذهب أن أصول الدية الإبل والذهب والورق والبقر والغنم ؛ فهذه خمسة لا يختلف المذهب فيها (16) ؛ وهذا قول عمر وعطاء وطاووس وفقهاء المدينة السبعة ، وبه قال الثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد (17) ؛ لأن عمرو بن حزم روى في كتابه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن"وأن في النفس مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار"رواه النسائي (18) ، وروى ابن عباس - رضي الله عنه - أن رجلًا من بني عدي قُتل ،"فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ألفًا"رواه أبو داود والنسائي (19) ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن تقويم الإبل بالذهب والفضة كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وعن عمر - رضي الله عنه - أنه ( فرض على أهل الذهب ألف دينار في الدية وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم ) (20) ، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن عمر- رضي الله عنه - قام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت فقوّم على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق اثني عشر ألفا وعلى أهل البقر مائتي بقرة وعلى أهل الشاة ألف شاة وعلى أهل الحلل مائتي حلة"رواه أبو داود (21) ؛ وكان هذا بمحضر من الصحابة فكان إجماعا (22) ، فهذه الأحاديث كلها دالة على أن تقويم الإبل بالذهب والفضة لم يكن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإنما كان من عمر ."

وقد دل هذا على أن الأصل في الدية هي هذه الأنواع الخمسة ؛ وعليه فأي شيء أحضره من عليه الدية لزم الولي قبوله ؛ لأنها أبدال عن فائت فكانت الخيرة إلى المعطي كالأعيان في الجنس الواحد (23) . واختلفوا في الحلل ؛ هل هي أصل سادس على روايتين (24) .

وقد رُدّ على حديث ابن عباس باحتمال أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوجب الورق بدلًا عن الإبل ؛ والخلاف في كونها أصلًا لا بدلًا . وأما حديث عمرو بن شعيب فيدل على أن الأصل هو الإبل فإن إيجابه لهذه المذكورات على سبيل التقويم كان لغلاء الإبل، ولو كانت أصولًا بنفسها لم يكن إيجابها تقويمًا للإبل ، ولا كان لغلاء الإبل أثر في ذلك ولا لذكره معنى ، وقد روي أن الإبل كانت تقوم قبل أن تغلو بثمانية آلاف درهم (25) .

والظاهر من خلال ما سبق أن الحنابلة في أصل الدية على فريقين: أنها الإبل خاصة ولا ينتقل إلى غيرها إلا عند الإعواز أو التراضي ، وقيل: أنها من الأنواع الخمسة . وقد أشار إلى هذين القولين أبو الخطاب كما تقدم ، وإليه أشار ابن قدامة أيضًا في الكافي (26) .

• المذهب الحنفي:

قال الكاساني - رحمه الله: ( قال أبو حنيفة - رحمه الله: الذي تجب منه الدية وتقضى منه ثلاثة أجناس: الإبل والذهب والفضة ) (27) واحتج له بقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن حزم المتقدم"في النفس مائة من الإبل"وقد تقدم فقد جعل - عليه الصلاة والسلام - الواجب ( من الإبل ) بالإشارة إليها ؛ فظاهره يقتضي الوجوب منها على التعيين ، إلا أن الواجب من الصنفين الأخيرين ( وهما الذهب والفضة ) ثبت بدليل آخر ، فقد ذكر الشعبي عن عبيدة السلماني أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه -"لما دوّن الدواوين جعل الدية على أهل الإبل مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الورق عشرة آلاف درهم" (28) وقضاؤه ذلك كان بمحضر من الصحابة ولم ينكر عليه أحد فحل محل الإجماع منهم (29) ؛ فمن ادعى الوجوب في الأصناف الأخرى فعليه الدليل (30) .

والمعنى - على هذا القول - أن للقاضي أن يقضي بالدية من الدراهم أو الدنانير (31) ، وليست الدراهم والدنانير بدلًا عن الإبل بل هي أصل بذاتها . قال السرخسي: ( فلو كان الأصل في الدية الإبل - وهي دَيْن - والدراهم والدنانير بدل عنها كان هذا دينًا بدين ونسيئةً بنسيئة ، وذلك حرام شرعًا ، يوضحه أن الآدمي - بالقيمة -كسائر الحيوانات ، والأصل في القيمة: الدراهم والدنانير ؛ إلا أن القضاء بالإبل كان بطريق التيسير عليهم ؛ لأنهم كانوا أرباب الإبل وكانت النقود تتعسر منهم ، ولأنهم كانوا يستوفون الدية على أظهر الوجوه ليندفع بها بعض الشر عنهم ، وذلك في الإبل أظهر منه في النقود ؛ فكانت( أي الإبل ) بخلاف القياس بهذا المعنى ، ولكن لا يسقط بها ما هو الأصل في قيمة المتلفات (وهو النقدين) أه (32)

وعند أبي يوسف ومحمد - رحمهما الله تعالى - ( أصول الدية ستة أجناس: الإبل والذهب والفضة والبقر والغنم والحلل ) واحتجا بقضية عمر - رضي الله عنه - المتقدمة (33) وبما روي عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -"فرض في الدية ، على أهل الإبل مائة من الإبل ، وعلى أهل البقر مائتي بقرة ، وعلى أهل هذه الشياة ألفي شاة ، وعلى أهل الحلل مائتي حلة"رواه أبو داود (34)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت