ثانيًا: عظمة الشريعة الإسلامية: والكشف عن مقاصدها الحقيقية، وقد جاء هذا بعد أن سيطر النفوذ الأجنبي على العالم الإسلامي بالقانون الوضعي وحجب تطبيق الشريعة الإسلامية والاقتصاد الإسلامي لأول مرة بعد قرون من قيام هذا المنهج في عالم الإسلام، وكانت تلك الدعوى العريضة التي حاول بها كرومر ولافيجري وغيرهما من قراصنة الاستعمار تشويه هذه الشريعة بالادعاء بأنها شريعة صحراوية متأخرة عفا عليها الزمن، فإن بعضًا من الأبرار من المسلمين المثقفين الذين قصدوا إلى الغرب وحملوا معهم رسائل عن الشريعة الإسلامية إلى جامعاتها فأثاروا مشاعر علماء القانون الغربيين الذين اعترفوا بفضل هذه الشريعة وعجبوا لعجز المسلمين عن تطبيقها. قد توالت هذه الاعترافات عن طريق مؤتمرات للقانون العالمي التي عقدت سنوات 1946، 1952م وبعدها اعترفت فيها جماعات رجال القانون العالمي بأن الشريعة الإسلامية هي شريعة مستقلة ذات كيان خاص تختلف عن القوانين الرومانية وأن لها جوانب غاية في القوة تستطيع أن تسعد البشرية وجاءت شهادة الفيلسوف الايرلندي (برناردشو) غاية في الإنصاف.
وكشف مسيو لامبير - من كبار رجال القانون الفرنسي - عن عظمة الشريعة الإسلامية، وكيف أن الفرنسيين أخذوها من مذهب مالك، وإن اختلف الرأي عما إذا كان ذلك عن طريق الحملة الفرنسية التي جاءت إلى مصر أم عن طريق الجزائر وتونس وفي نفس الوقت بدأت ظاهرة الكشف عن عظمة القرآن بأنه من عند الله وقد أيقن بهذه الدعوة كثيرون في الغرب في مقدمتهم (موريس بوكاي) .
ثالثًا: استطاع الشيخ مصطفى عبد الرازق أن يعلن رأيًا جديدًا في الفلسفة، بعد أن استطرد المستشرقون الغربيون الذين قدموا هذا العلم لطلابهم في الجامعة بالقول بأن الفلسفة الإسلامية الحقيقية تبدأ من الفقه وعلم الكلام، وأن منهم الإمام الشافعي في علم أصول الفقه يعد بمثابة المنطلق الحقيقي لهذا، أما مدرسة الكندي والفارابي وابن سينا فهي لا تمثل الفكر الإسلامي الصحيح، وبذلك أعيد اعتبار الإمام الغزالي الذي حملت عليه الفلسفة الحديثة ودعاتها لأنه أوقف تيار الفلسفة في الإسلام حين أخرج كتابه"تهافت الفلاسفة"، وكشف عن زيفهم في ادعائهم بأن الله تبارك وتعالى لا يعلم الجزئيان أو أن المادة قديمة على النحو الذي ضللت به دراسات الفلسفة عددًا من المثقفين المسلمين، وقد انكشف زيف كتابات كثيرة كرسائل إخوان الصفا والأغاني وأبي نواس. وتبين فساد المنهج الكلامي المعتزلي والفلسفي وعلت الدعوة إلى التماس منهج القرآن.
رابعًا: ما كشفه الدكتور محمد أحمد الغمراوي من أن ما قدمه طه حسين بدعوى إنه مذهب ديكارت باطل وزائف، وأن طه حسين لم يقدم مذهب ديكارت على حقيقته، وقد سارع الأستاذ محمود الحضيري يترجم كتاب مقالة في المنهج لديكارت ونشرتها المكتبة السلفية لتؤكد فساد ادعاء طه حسين، الذي كان يظن أن أحدًا لن يكشف خبيثته، ولقد كشفت الأبحاث في الأخير أن مذهب ديكارت مأخوذ من الإمام الغزالي ومن رسالة (المنقذ من الضلال) بل إن المرحوم الأستاذ عثمان الكعاك المؤرخ التونسي قد شاهد بنفسه في مكتبة السربون تراث ديكارت وقرأ تعليقه على رسالة المنقذ من الضلال بالفرنسية، وهو المعنى الذي توصل إليه المرحوم محمد فريد وجدي في الرد على كتاب الشعر الجاهلي عندما قال لطه حسين أن هذا المذهب: مذهب الشك حتى تصل إلى اليقين الذي يدعيه هو لديكارت هو مذهب إسلامي وأن الإمام الغزالي أول من طبقه.
خامسًا: ظل التراث الإسلامي مغمورًا، ومحجوبًا عن المسلمين، الذي دخلوا الجامعات التي قدمت لهم العلوم التجريبية والسياسية والاجتماعية على أنها علوم غربية خالصة فقد بدأت الحلقة الأولى بفرانسيس باكون على أنه منشئ العلم التجريبي حتى جاء الإنصاف من علماء غربيين أمثال درابر، وكارليل، وجوستاف لوبون. الذين أعلنوا أن (باكون) هو تلميذ المسلمين وأن مثقفي الغرب هاجروا إلى الأندلس واستمعوا إلى علماء المسلمين وأن المنهج التجريبي هو من صناعة المسلمين (جابر بن حيان وابن الهيثم والبيروني وغيرهم) ثم جاءت الدكتورة سجريد هونكه فكشفت هذه الصفحة الرائعة في كتابها (شمس الله تشرق على الغرب) .
وقد تبين دور المسلمين العظيم فيما قدموه من بدايات وإضافات لعلوم كثيرة ليست العلوم التجريبية والطبية والفلكية وحدها ولكن في علوم السياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية مما يعد في نظر المثقفين (الطابق الأول) للحضارة المعاصرة.