على أنه رحمه الله ورضي عنه، قد أزال من النفوس ما يمكن أن يداخلها من اللبس، بسبب موقفه هذا، ويظن أنه يحرم على نفسه ما أحل الله في كتابه فأماط اللثام عن ذلك، مبينًا أنه يحب أن يكون من الذين لا تلهيهم التجارة والبيع عن ذكر الله وذلك قوله:"ما أقول: إن الله عز وجل لم يحل البيع ويحرم الربا، ولكن أحب أن أكون من الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله".
ذلك ما ارتضاه لنفسه، وقدر أن يصبر عليه، وهو طريق التزمه وتحمل تبعاته، ولئن كان الإسلام لا يوجبه على الناس: إن أبا الدرداء رضي الله عنه لم يلزم به أحدًا غيره. ولقد اختار لنفسه -بعد أن خبر قدرته- أن يستبرئ لدينه وعرضه بالإعراض عن الاستكثار من الدنيا بالتجارة وغيرها، والرضا بالقليل الذي يقوم بالإود ويحفظ الكرامة، حيطةً وحذرًا من مزالق الأقدام، وما أكثرها، بل وما أوفر مداخل النفس والهوى إليها، ولم يدع يستثمر الوقت في طاعة الله، والتبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والنصح للمسلمين.
وسبحان خالق الإنسان، فلكل أهليته واستعداده، وكلٌّ ميسر لما خلق له..
أقول هذا: لأن أبا الدرداء رضي الله عنه يعلم أن الأمة مكلفة بإعداد القوة التي ترهب عدو الله وعدو المسلمين، والمال عنصر مهم على ساحة الإعداد، مضمومًا إليه الطاقات العلمية والجسدية والنفسية وغير ذلك بعد الإيمان وصدق التوكل على الله: فمن كان قادرًا مع الإسلام -من الناحية المالية والاقتصادية وعنده الأهلية لذلك- لا يجوز له أن يتخلف عن القيام بواجبه في إعداد القوة المستطاعة امتثالًا لأمر الله تبارك وتعالى بذلك؛ فالأمر واجب كفائي، إلا إذا توافرت أسباب الواجب العيني. ولم يتوافر ذلك في عصر أبي الدرداء رضي الله عنه، فكان صنيعه تضحية منه؛ إذ آثر العزوف عن جمع المال للثراء والمتعة ورضي قانعًا بالقليل الذي يكفي ولا يلجئ إلى التكفف لأن اليد العليا خير من اليد السفلى.
وما أقل ما تجد أولئك الناس القادرين على اقتحام غريزة حب المال والتملك، والله تعالى يصف الإنسان بقوله جل شأنه:"وإنه لحب الخير لشديد (1) ".
ومهما يكن من أمر: فإن هذا ما يحسن تذكره -والله أعلم- عند قراءة تعليق الإمام الذهبي على مسلك أبي الدرداء عليه الرحمة والرضوان في هذه النقطة.
فقد أورد في"السير"ما أشرت إليه سابقًا وهو ما روى الأعشى عن خيثمة: قال أبو الدرداء:"كنت تاجرًا قبل المبعث، فلما جاء الإسلام، جمعت التجارة والعبادة فلم يجتمعا، فتركت التجارة ولزمت العبادة"وهو ما أخرجه ابن سعد في"الطبقات"ورواه الطبراني وأورده الحافظ في"الإصابة"ورجاله رجال الصحيح.
ثم قال الذهبي تعقيبًا على ذلك: (قلت: الأفضل جمع الأمرين مع الجهاد، وهذا الذي قال هو طريق جماعة من السلف والصوفية، ولا ريب أن أمزجة الناس مختلفة في ذلك، فبعضهم يقوى على الجمع، كالصدّيق وعبد الرحمن بن عوف، وكما كان ابن المبارك، وبعضهم يعجز ويقتصر على العبادة، وبعضهم يقوى في بدايته ثم يعجز، وبالعكس: وكل سائغ ولكن لابد من النهضة بحقوق الزوجة والعيال) (2) .
وما من ريب في أن من ذاق لذة التفكر في آلاء الله -وفي الأرض والأنفس آيات للموقنين- واستشعر عظمة الله ومخافته، وكان على ذكر أن الآجال والأرزاق بيده سبحانه، وأنس بالعبادة الخالصة والخضوع الخاشع بين يدي رب العالمين.. هانت عليه الدنيا، ورأى في ملذاتها وخيراتها الزائلة معوقًا مما هو خير وأبقى، وصدق ربنا جل شأنه إذ يقول في محكم تنزيله:"المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابًا وخير أملًا" (3) ويقول سبحانه:"وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون".
ولا شك أن من توفيق الله أن يجمع المؤمن المال، ويؤدي فيه حق الله ثم حق الأمة، وتكون الدنيا في كفيه لا في قلبه، وعندها تكون دنياه في عاجل أمره، مطيعة إلى الآخرة في أجلّ أمره، لأنه سخّر المال للخير، ولم يتجاوز حدود الله في جمعه، ولا ألهاه ذلك عن عبادة الله، وكما ذكر الإمام الذهبي كان عبد الله بن المبارك رحمه الله وأعلى مقامه في الآخرين نموذجًا رائعًا في وضع المال موضعه مع ساحة المعونة للفقراء والمعوزين وتيسير العيش وعبادة الحج لهم، مضافًا إلى ذلك، البذل العظيم على ساحة الجهاد في سبيل الله، فكان يجاهد بنفسه وماله، وكم وجّه القرآن الكريم إلى الجهاد بالأموال والأنفس!!